إذًا قال: {لِمَا خَلَقْتُ} ولم يقل لمن خلقت، لأن المراد هنا آدم باعتبار وصفه الذي انفرد به آدم وهو ماذا؟ أنه خلقه بيديه جل وعلا، وهذا الوصف لم يَشْرَكْهُ أحد فيه وهو خلق الله تعالى إياه بيده جل وعلا، لا باعتبار شخصه، إي إنه سبحانه وتعالى باشر خلقه بيده كما في الحديث ( «لم يخلق الله بيده إلا ثلاثًا خلق آدم بيده» ) .. الحديث. هذا الشاهد ففيه إثبات اليدين لله سبحانه وتعالى وأنهما يدان حقيقةً لائقتان بجلاله وعظمته، وكما قلنا: عَبَّر بـ (ما) عما يعقل لملاحظة معنى الصفة لا معنى العين والشخص. ومنه قوله تعالى: {فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء} لم يقل (من) لأنه ليس المراد عين هذه المرأة، ولكن المراد الصفة وهنا قال: {لِمَا خَلَقْتُ} أي هذا الموصوف العظيم الذي أكرمته بأنني خلقت بيدي ولم يقصد لمن خلقت أي لهذا الآدمي بعينه، فظهر الفرق بين التعبيرين.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى ورد لفظ اليد في الكتاب والسنة وكلام الصحابة والتابعين في أكثر من مائة موضعٍ ورودًا متنوعًا متصرِّفًا فيه أو متصرَّفًا فيه مقرونًا بما يدل على أنها يدٌ حقيقةً جاء وصفها من الإمساك والطي والقبض والبسط والنضح باليد والخلق باليدين، والمباشرة بهما وكتب التوراة بيده، وغرس جنة عدنٍ بيده، دل ذلك على أنها يدٌ حقيقةٌ، ولها أوصافٌ كذلك متعددة فقوله: ( {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان} ) . فقطع بالضرورة أن المراد يد الذات لا يد القدرة والنعمة، فإن السياق والترتيب لا يحتمله البتة، يعني الاحتمال إن كان ثَمَّ احتمال في قوله: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] . أن اليد هنا المراد بها النعمة أو القدرة حينئذٍ ينفيه ماذا؟ قوله: ( {بَلْ يَدَاهُ} ) . والله تعالى ليست له نعمتان فقط، بل نعم، وليست له قدرتان فقط بل له الكمال في القدرة ( {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان} ) ، إذًا أثبت اليدين على وجه الحقيقة، وقوله: {بِيَدَيَّ} . هذا صيغة تثنية حذفت النون منه للإضافة.