وقوله: قال المصنف رحمه الله تعالى: (وقولِهِ: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان ِيُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء} [المائدة: 64] ) . قولهم: ( {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} ) . قال ابن عباس: المراد بخله. اتهموا الباري جل وعلا بالبخل، فالغل كناية عن البخل، والعرب تطلق غَلّ اليد على البخل، وبسطها على الجود، بسط يده، يعني جواد، وصف بالجواد، قبض يده أو غَلّ يده، حينئذٍ ضد الجود، فالعرب تطلق غلّ اليد على البخل وبسطها على الجود، فمراد اليهود أن الله تعالى بخيل تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا، قال ابن عباس: المراد بخله، فالغل كناية عن البخل، وأفردوا اليد، قالوا: ( {يَدُ اللَّهِ} ) . ولم يقولوا: يدا. بالتثنية لأن اليد الواحدة أقل عطاءً من اليدين الثنتين، ولهذا جاء الجواب بالتثنية والبسط، التثنية ضد ماذا؟ الوحدة، يد، قالوا: يد واحدة، ولا شك أن العطاء بيدٍ واحدة هذا أقل، والعطاء باليدين هذا أوسع. ثم قالوا: ( {مَغْلُولَةٌ} ) . قال ماذا؟ ( {مَبْسُوطَتَان} ) حينئذٍ تقابلا في النظر، ولهذا جاء الجواب بالتثنية والبسط فقال: ( {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان} ) . قوله: ( {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} ) . أي أمسكت عن الخير، بمعنى أنهم بخلاء هم هذا دعاء عليهم دعا عليهم الباري جل وعلا، دعاء عليهم بالبخل.
قال الشوكاني رحمه الله تعالى في (( الفتح القدير ) ): فلزم البخل اليهود لزوم الظل للشمس. لا يوجد يهودي إلا وهو بخيل، فلزم البخل اليهود لزوم الظل للشمس، فلا ترى يهوديًّا وإن كان ماله في غاية الكثرة إلا وهو من أبخل خلق الله تعالى. لهذا الدعاء ( {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} ) ، يعني أُمْسِكَتْ عن الخير، ( {وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ} ) أي طردوا وأبعدوا عن رحمة الله عز وجل لأن البلاء موكل بالمنطق، فهم لما وصفوا الله بالإمساك طردوا وأبعدوا عن رحمته، قيل لهم: إذا كان الله عز وجل كما قلتم لا ينفق فليمنعكم رحمته حتى لا يعطيكم من جوده فعوقبوا بأمرين:
-بتحويل الوصف الذي عابوا الله سبحانه إليهم بقوله: ( {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} ) .
-وبإلزامهم بمقتضى قولهم ( {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} ) . إذًا لن يرحمكم ولن يعطيكم، إذًا عوملوا بمقتضى قولهم، ثم عوملوا كذلك بضده بتحويل الوصف إليهم، وبإلزامهم بمقتضى قولهم بإبعادهم عن رحمة الله حتى لا يجدوا جود الله وكرمه وفضله.