-وإن كان مبغوضًا له فالمطلوب تركه إما تحريمًا وإما كراهةً.
نقول: فإن المطلوب إن كان محبوبًا له فالمطلوب فعله إما وجوبًا وإما استحبابًا هذا المحبوب، وإن كان مبغوضًا له فالمطلوب حينئذٍ تركه إما أن يكون تحريمًا وإما أن يكون كراهةً، فشمل ماذا؟ الحكم التكليفي الأربعة: الإيجاب، والندب، والتحريم، والكراهة. وهذا هو الحكم الشرعي، هذا مراد بالحكم الشرعي، وذلك أيضًا موقوف على الصبر، صبر على الطاعة إيجابًا وندبًا، وصبرٌ عن المعصية تحريمًا وكراهةً، فهذا حكمه الديني الشرعي، وأما حكمه الكوني وهو ما يقتضيه وما يقدره على العبد من المصايب التي لا صُنْعَ له فيها فغرضه الصبر عليها، وفي وجوب الرضا بها قولان للعلماء كما مر معنا أصحهما أنه مستحب وليس بواجب، فرجع الدين كله إلى هذه القواعد الثلاث:
-فعل المأمور.
-وترك المحظور.
-والصبر على المقدور.
انتهى من كلامه ابن القيم رحمه الله تعالى.
قوله: ( {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} ) . هذا تعليل لقوله: ( {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ} ) . الفاء هنا للتعليل، و (إن) بعد الأمر والنهي تفيد ماذا؟ تفيد التعليل كما هو مقرر عند الأصوليين، إذا جاءت (إنّ) بعد أمرٍ فهي للتعليل، وإذا جاءت (إن) بعد نهي فهي للتعليل، ( {وَاصْبِرْ} ) هذا أمر، ( {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} ) ، أي أعيننا معك نحفظك ونرعاك ونعتني بك ومحروسٌ غاية الحراسة ومحفوظ غاية الحفظ، ومن السلف من فسر قوله تعالى: ( {بِأَعْيُنِنَا} ) أي بمرأى منا، وهذا لا شك أنه تفسر صحيح لكنه ليس المطابقة، يعني ليس بالمعنى المطابقي وإنما بدلالة التضمن أو الالتزام، أي بمرأى منا وتحت حفظنا وكلاءتنا، وهذا تفسير باللازم مع إثبات الأصل وهي العين لأنه يحتمل ماذا؟ أنه يقول ماذا: ( {بِأَعْيُنِنَا} ) . أي في حفظنا هذا يحتمل أنه تأويل، فإذا كان ينفي لفظ العين مع مدلوله اللغوي، حينئذٍ يكون هذا تحريفًا، وأما إذا أثبت لفظ العين الصفة لما دلت عليه باللسان العربي وهي من الصفات الخبرية التي مسماها باعتبارنا أبعاض وأجزاء، إن أثبت ذلك المعنى وفسر ( {بِأَعْيُنِنَا} ) بمرأى منا وحفظنا حينئذٍ نقول: تفسير بالتضمن أو باللازم. والتضمن أحسن، لماذا؟ لأنه [يجعل اللفظ] يجعل الدلالة على الرؤية تضمنًا لا التزامًا، ودلالة التضمن على الصحيح عند الأصوليين وغيرهم دلالة لفظية، ودلالة الالتزام دلالة عقلية، والاستعانة بالدلالة اللفظية أقوى من الدلالة العقلية في هذا المقام، ولذلك نقول: هذا تفسير بالتضمن أولى من القول بأنه بدلالة الالتزام، لأنه يكون من مدلول اللفظ، فإذا كان من مدلول اللفظ حينئذٍ لم نخرج عن الدلالات اللغوية.
( {بِأَعْيُنِنَا} ) أي بمرأى منا وتحت حفظنا وكلائتنا، وهذا تفسير باللازم مع إثبات الأصل وهي العين، أو تفسير بالتضمن وهو أحسن لأنها لفظية ودلالة التزام عقلية، وعند أهل التحريف يقولون لنعرف الفرق بين النوعين: بمرأى منا. بدون إثبات العين، وأهل السنة والجماعة يقولون: ( {بِأَعْيُنِنَا} ) بمرأى منا ومع إثبات العين فرق بين النوعين، هكذا قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى.