لكن ذكر العين هنا أشد توكيدًا وعناية من ذكر مجرد الرؤية، ولهذا قال: ( {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} ) . والباء للإلصاق الذي يفيد معنى الملازمة والدوام، أي أنك دائمًا بمرأى منا وببصرنا وفي كلائتنا ورعايتنا.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ( {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} ) قال: وهذا يتضمن الحراسة والكلاءة. انظر عبر بماذا؟ قال: يتضمن. يعني: الدلالة عليه لفظية يؤخذ من اللفظ لا من العقل وهو أحسن، وهذا يتضمن الحراسة والكلاءة والحفظ للصابر لحكمه سبحانه وتعالى، وفيها معية الله سبحانه وتعالى للصابر لحكمه سبحانه وحفظه، وفيها إثبات فعل العبد حقيقةً. وأدلة ذلك أكثر من أن تُحصر، ففي الآية الكريمة إثبات العين لله عز وجل، لكنها جاءت بصيغة الجمع لِمَا سيأتي، والعين من الصفات الذاتية الخبرية، ذاتية يعني لم يزل ولا يزال متصفًا بها، والخبرية لأن مسماها بالنسبة إلينا أجزاء وأبعاض، وقد دل الحديث الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أن لله عينين اثنتين فقط» يعني الشأن في العينين كالشأن في اليدين، جاءت مفردة وجاءت مثناة وجاءت جمعًا، لكن النص دل من جهة السنة النبوية، دل على أن لله تعالى عينين اثنتين وأجمع السلف على ذلك، حين وصف الدجال وقال: «إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور» . هذا فهمه قد يُشكل على البعض، والحديث رواه البخاري ومسلم، وفي لفظ عندهما «أعور العين اليمنى» ، ووجه الاستدلال هنا أنه لا يُقال أعور في اللغة، اللغة العربية إلا لعور العين، وما هو عور العين؟ هو من فقد إحدى عينيه، يعني لا يتصف بالعور إلا لمن كان له عينان وفقد إحدى العينين، حينئذٍ العور يدل على أن له عين أخرى لكنها سليمة، أما إذا قيل عَوَر هكذا أو عِوَار فِعَال فربما يُراد به مطلق العيب يعني: لم يضف إلى العين، أعور أَعور العين، ولذلك جاء في الحديث «إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور» ، الرواية الأخرى «أعور العين اليمنى» حينئذٍ لا يُفسر بالعيب أو مطلق العيب النقص، وإنما يفسر بماذا؟ بفقد إحدى العينين، فالعور لا يكون إلا لمن كان له عينان، وفقد إحدى العينين، النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنه أعور» . في الدجال «وإن ربكم ليس بأعور» لو كان ثَمَّ، هنا أراد ماذا؟ تفرقةً لئلا يلتبس على الطوام يلتبس عليهم شأن من؟ الدجال بربهم، فلو كان لله تعالى ثلاثة أعين هل صح العدول إلى أن يقول بـ «أنه أعور وإن ربكم ليس بأعور» ؟ لأن الدجال له عينان إحداهما مفقودة، لو كان الباري جل وعلا له ثلاثة أعين لقال: (الدجال له عينان وربكم له ثلاثة أعين) . فلما عَدَلَ عن التثليث وذكر العور ونسبه للعين دل على أن لله تعالى عينين اثنتين، وهذا الحديث يدل على أن لله تعالى عينين اثنتين فقط، ووجه الدلالة أنه لو كان لله أكثر من اثنتين لكان البيان به أوضح من البيان بالعور، لأنه لو كان لله أكثر من عينين لقال: (إن ربكن له أعين) . أليس كذلك؟ لأنه إذا كان له أعين أكثر من ثنتين صار وضوحها أن الدجال ليس بربٍ أَبْيَن، وهو أراد التفرقة بين من؟ بين الدجال وبين الرب جل وعلا.