وقال ابن القيم كذلك رحمه الله تعالى: المكر ينقسم إلى قسمين: محمودٍ، ومذموم. مكرٌ محمود، ومكرٌ مذموم، فإن كان في مقابلة مكر الأعداء فهو محمود، وإذا لم يكن كذلك فهو مذموم، يعني ابتداء المكر مذموم، لكن إذا كان في مقابلة العدو ومكره فيكون محمودًا، فإن حقيقته، يعني المكر إظهار أمرٍ وإخفاء خلافه ليتوصل إلى مراده كما مر معنا، إظهار أمرٍ وإخفاء خلافه ليتوصل إلى مراده، فمن المحمود مكره سبحانه بأهل المكر، فمن المحمودِ يعني المكر المحمود، مكره سبحانه بأهل المكر مقابلةً لهم بفعلهم وجزاءً لهم من جنس عملهم. قال تعالى: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ} [الأنفال: 30] . جاء بالمقابلة، {وَيَمْكُرُونَ} ابتدءوا هم المكر، {وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} أقواهم وألطفهم وأخفاهم، وإن كان في غير ذلك فهو ذمٌ ويسمى خيانةً، ولذلك لم يصف الله نفسه به إلا على سبيل المقابلة والتقييد، يعني المكر، كما قال الله تعالى: ( {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} ) ، {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ} . ولا يوصف الله سبحانه وتعالى به على الإطلاق، فلا يقال: الله ماكرٌ هكذا، فلا يقال: إن الله ماكرٌ، لا على سبيل الخبر، ولا على سبيل التسمية، يعني باب الإخبار هنا مغلق إلا بالمقابلة، يعني بالقيد، وذلك لأن هذا المعنى قد يكون مدحًا في حالٍ، ويكون ذمًا في حالٍ، يعني المكر والكيد يكون مدحًا في حال، متى؟ إذا كان مجازاةً لمن بدأ بالمكر، وكذلك يكون ذمًّا إذا كان ابتداءً، فلا يمكن أن نصف الله به على سبيل الإطلاق، ولهذا قال تعالى: {وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} . وهذا كمال، ولم يقل: (أمكر الماكرين) . إنما قال: ... {خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} . بل قال: {وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} . فلا يكون مكره إلا خيرًا، ولهذا يصح أن نصفه بذلك فنقول: هو خير الماكرين. أو نصفه بصفة المكر على سبيل المقابلة، أي مقابلة من يَمْكُرُ به، فنقول: إن الله تعالى ماكرٌ بالماكرين. وهكذا لقوله تعالى: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ} .
قال ابن القيم: وكذلك الكيد ينقسم إلى نوعين قال تعالى: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [الأعراف: 183] . قوي، وكذلك قوله تعالى: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ} [يوسف: 76] . وكذلك الخداع ينقسم إلى محمودٍ، ومذموم.
فإن كان بحقٍ فهو محمود، وإن كان بباطلٍ فهو مذموم.