الصفحة 468 من 883

وهذه التفاسير المتقدمة للمكر والكيد والخداع ونحو ذلك ليست من باب التأويل والتحريف الذي يُنكره أهل السنة والجماعة، بل من باب التفسير، فإن جميع الصحابة والتابعين يصفون الله سبحانه وتعالى بأنه شديد الْقُوَّة، وكذلك شديد المكر، وشديد الأخذ بالعقوبة، كما وصف الله سبحانه نفسه بذلك بغير آيةٍ من كتابه كقوله: {إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102] . وهو كذلك، {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} ... [الذاريات: 58] . أي القوي، وقوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} [الرعد: 6] . فَيُمِرُّونَ هذه الآيات على ظواهرها، ويعرفون معناها على ما جاء في لسان العرب، ولكن لا يُكَيِّفُونها ولا يُشَبِّهُونها بصفات المخلوقين وهذا مجمعٌ عليه بين أهل السنة والجماعة.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى في (( الصواعق ) ): والله سبحانه وتعالى لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع والاستهزاء مطلقًا. يعني لم يأتِ اللفظ هكذا ابتداءً، ولا ذلك داخلٌ في أسمائه الحسنى، فإن هذه الأفعال ليست ممدوحةً مطلقًا، بل تمدح في موضع وتذم في موضعٍ، فلا يجوز إطلاق أفعالها - يعني الأفعال الاصطلاحية يَمْكُر وَيَكِيد ونحو ذلك - فلا يجوز إطلاق أفعالها على الله سبحانه وتعالى مطلقًا دون قيد المقابلة، فلا يقال إن الله يمكر، هكذا، هذا لا يصح، ولا يقال إن الله يخادع، وإن الله يستهزئ .. هكذا إطلاقًا، لا يصح، فكذلك بطريق الأولى ألا يُشْتَقَّ له منها أسماءٌ يسمى بها، فلا يقال الماكر والكائد والمستهزئ، إذًا الفعل لا يُطلق يمكر ويستهزئ وماذا؟ ويكيد، وكذلك الأسماء لا يُشتق منها، بل إذا كان لم يأتِ في أسمائه الحسنى المريد مع كونه ماذا؟ أراد جاء الوصف، الفعل، ولا المتكلم، ولا الفاعل، ولا الصانع، لأن مسمياتها تنقسم إلى ممدوحٍ ومذموم، فكيف يكون منها الماكر والمخادع والمستهزئ؟ وهذا لا يقوله مسلمٌ ولا عاقل، والمقصود أن الله تعالى لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع إلا على وجه الجزاء لمن فعل ذلك لغير حقٍ، وقد عُلِمَ أن الْمُجَازَات حسنةٌ من المخلوق فكيف من الخالق سبحانه وتعالى؟

والحاصل المكر والكيد والْمِحَال من صفات الله تعالى الفعلية التي لا يُوصف بها على سبيل الإطلاق لأنها تكون مدحًا في حالٍ وذمًّا في حالٍ أخرى، ويوصف بها حين تكون مدحًا، ولا يوصف بها إذا لم تكن مدحًا، فيقال الله خير الماكرين، خير الكائدين، أو يقال الله ماكرٌ بالماكرين، خادعٌ بمن يخادعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت