ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: (وقولِهِ: {إِن تُبْدُواْ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا} [النساء: 149] ) . ذكر هذه الآية وما بعدها لإثبات صفتي العفو والقدرة، ( {عَفُوًّا} ) لإثبات صفة العفو، ( {قَدِيرًا} ) لإثبات صفة القدرة، قوله: ( {إِن تُبْدُواْ خَيْرًا} ) . أي إن تفعلوا خيرًا فتبدوه، أي تظهروه للناس، ( {أَوْ تُخْفُوهُ} ) أي فتعملوا سرًّا وهذا عامٌ شاملٌ لكل خيرٍ قوليٍ أو فعليٍ ظاهرٍ أو باطن، ( {أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ} ) أي تتجاوزوا عمن أساء إليكم في أنفسكم، أو أموالكم، أو غير ذلك، فالعفو هو التجاوز عن الذنب والصفح عنه، يعني ليس فيه عتاب فعفا تأتي في اللغة بمعانٍ:
الأول: عفا عن الذنب، أي صفح عنه.
وعفا أسقط حقه كما قال تعالى: {إَلاَّ أَن يَعْفُونَ} [البقرة: 237] . أي يسقطون حقوقهم.
وعفا القوم أي كَثُرُوا، ومنه {حَتَّى عَفَواْ} [الأعراف: 95] ، أي كَثُرُوا، وعفا المنزل، أي انطمس.
هذه معانٍ كلها جاءت في لسان العرب، قوله: ( {عَفُوًّا قَدِيرًا} ) . ( {عَفُوًّا} ) هذا، العفو من أسمائه جل وعلا ورد خمس مرات في القرآن منها قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: 43] . وهذا الموضع الذي معنا كذلك، والْعَفُوّ فَعُولٌ، يعني وزن فَعُولٌ صيغة مبالغة، من قولك: عَفَا يَعْفُو عَفْوًا فهو عَفُوٌّ، يقال: عَفَوْتُ عن الشيء أَعْفُو عنه إذا تركته، وَعَفَا عن ذنبه إذا ترك العقوبة عليه، والْعَفُوّ على فَعُول يعني كثير العفو لأنه صيغة مبالغة كما مر، وعَفَا المنزل بمعنى دَرَسَ وَانْمَحَى، وَعَفَا بمعنى كَثُرَ كما مر.
قال الخطابي رحمه الله تعالى: الْعَفُوّ وزنه فَعُولٌ من الْعَفْوِ، وهو بناء المبالغة، والْعَفْو الصفح عن الذنوب وترك مجازات المسيء، فهو عدم المؤاخذة بالمعصية، وهذا لمن يملك المؤاخذة.
قال ابن جرير: {إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا} إن الله لم يزل عفوًا عن ذنوب عباده وتركه العقوبة على كثيرٍ منها ما لم يشرك به جل وعلا.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
وهو العفو فعفوه وسع الورى ... لولاه غار الأرض بالسكانِ
يعني لولا كمال عفوه وسعة حلمه لغارت الأرض بأهلها لكثرت ما يرتكب من المعاصي على ظهرها.
إذًا قوله: ( {عَفُوًّا} ) . هذا اسم من أسمائه جل وعلا معناه ذو العفو وهو ترك المؤاخذة على ارتكاب الذنب، وهو أبلغ من المغفرة، فإنها مشتقةٌ من الْغَفْرِ وهو الستر، والعفو إزالة الأثر، والمغفرة مأخوذة من الْغَفْرِ وهو الستر، ومنه عفت الديار كما ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى فيما سبق.