الصفحة 473 من 883

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ثم ختم الآية بصفتين من صفاته سبحانه مناسبتين لما تضمنته، فقال: ( {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ) . ففيه إشارة إلى أن كل اسمٍ يناسب ما ذكر معه واقترن به من فعله وأمره سبحانه، يعني إذا كان الفعل يقتضي المغفرة جاء اسمه الغفور، وإذا كان فعله يقتضي الحكمة جاء اسمه الحكيم، إذا كان الفعل يقتضي العزة جاء اسمه العزيز وهكذا، ثَمَّ مناسبة بين ختم الآيات وبين ما سيق قبلها فلا بد من التناسب، ولذلك إذا سأل العبد ربه قال: اللهم اغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم. لا يقول: إنك أنت العزيز الجبار المتكبر. إنما يقول ماذا؟ إنك أنت الغفور الرحيم يأتي بما يناسب حاله، هذا الأصل في استعمال القرآن لذلك، ففيه إشارة إلى أن كل اسم يناسب ما ذُكِرَ معه، يعني من جملة أو من حكم أو نحو ذلك واقترن به من فعله وأمره سبحانه، وفيها أن أسماء الرب مشتقة من أوصاف ومعانٍ قامت به سبحانه، يعني كل اسم لا بد وأن يتضمن ماذا؟ يتضمن صفة، هذه الصفة قائمة بمن؟ قائمة بذات الباري جل وعلا، إذًا ليست أسماء مجردة عن معاني لا تدل على اتصاف الذات بما اقتضاه ذلك الاسم، ولذلك قلنا: كل اسم يكون مشتقًا، وضابط المشتق ما دل على ذاتٍ ومعنى، إذًا ثَمَّ تناسب بين النوعين، وليس المراد هنا اشتقاق أن أحدهما سابق عن الآخر، لا، يعني ليس ثَمَّ أحدهما الوصف متقدم على الاسم، أو الاسم متقدم على الوصف يعني في الوجود، لا نتعرض لذلك، وإنما المراد هنا الاشتقاق بمعنى ماذا؟ أن ثَمَّ مناسبة بين العزة والعزيز، أليس كذلك؟ فالعزيز يدل على العزة، والعزة مشتملة عليها أو مشتمل عليها لفظ العزيز، وهكذا الرحيم والرحمة هذا ما يسمى بالاشتقاق يعني ملاحظة ترتيب الكلمتين بعضها مع بعض، حينئذٍ لما وجدنا الرحيم والعزيز أسماء مشتقة فعرفنا حال المشتق في لسان العرب حينئذٍ نظرنا إلى المصادر، والمصادر لا بد أن تكون ملاقيةً لما تفرع عنها، وليس المراد هنا بأن ثَمَّ سابق وأن ثَمَّ لاحق، وأما كلام النحاة الصرفيين فعندهم لا، ثَمَّ سابق وثَمَّ لاحق، لكن لا يقتضي أن يكون المراد هنا في الاشتقاق ما يقتضيه أو كلام الصرفيين، وما ذكره ابن القيم في بعض المواضع عن الصرفيين ما عنوا إلا التلاقي وليس أحدهما سابق عن الآخر، وقد أورده في (( تيسير العزيز الحميد ) )هذا الكلام غير مُسَلَّم له رحمه الله تعالى، وإنما يعني النحاة وكذلك الصرفيون أن أحدَهُمَا سابق عن الآخر في الوجود، فعلى كلامهم مثلًا ضَرْبٌ هذا سبق في الوجود على ضَارِب، حينئذٍ أحدهم متقدم على الآخر، لكن بشأن الباري جل وعلا لا نطبق هذه القاعدة. إذًا فيه أن أسماء الرب مشتقة من أوصاف ومعانٍ قامت به سبحانه، فهي أسماء وهي أوصاف في نفس الوقت، أسماء لأنها تدل على الذات، وهي أوصاف لأنها اقتضت ماذا؟ إثبات الصفات التي هي معاني ونحوها للذات التي تضمنها ذلك اللفظ، وبذلك كانت حُسْنَى، يعني لكونها اشتملت على معانٍ صارت حسنى، لو كانت مجردة العزيز لا يدل على شيء، والرحيم لا يدل على شيء كما أن من المخلوق من يُسمى زيدًا أو يسمى عَمْرًا وخالدًا ولا يتضمن إلا دلالته على الذات فقط، إذا قلت: زيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت