الصفحة 486 من 883

قوله: {وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} [مريم: 65] . {وَاصْطَبِرْ} هذه أصلها اصتبر يعني الطاء منقلبة عن التاء، افْتَعَلَ لها ضابطٌ عند الصرفيّين فأبدلت التاء طاءً لعلةٍ تصريفية، والمعنى اخبر وإن شق عليك ذلك، واللام في قوله: {لِعِبَادَتِهِ} قيل: إنها بمعنى علا، أي اصطبر عليها، اصطبر على عبادته، كما قال تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه: 132] . وقيل: بل اللام على أصلها أي اصطبر لها، أي كن مقابلًا لها بالصبر كما يقابلُ القرين قرينه في ميدان القتال. قال: {اصْطَبِرْ} يعني يحتاج إلى مجاهدة، وهو أعلى أو أخص من قوله: اصبر. اصبر قد يكون ليس فيه مجاهدة، لكن {اصْطَبِرْ} لا، ولذلك يقول: {اصْطَبِرْ} أبلغ من اصبر لأنها تدل على معانةٍ، والمعنى اصبر وإن شق عليك ذلك.

قوله - محل الشاهد: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} أي هل تعلم له مساميًا ومشابهًا ومماثلًا من المخلوقين؟ لا، أليس كذلك؟ {هَلْ تَعْلَمُ} . هذا استفهامٌ بمعنى النفي المعلوم بالعقل، يعني العقل دل على أنه لا سَمِيَّ لله تعالى، جاء النص وجاء العقل كذلك، حينئذٍ لا مانع من أن يقال: بأن الدلالة هنا مركبةٌ من شيئين:

-دلالة النقل.

-ودلالة العقل.

وقلنا فيما سبق: أن أهل السنة إنما يمنعون العقل أن يكون له مجالٌ هنا على جهة الاستقلال، وأما أنه قد يفهم بعض الصفات فنزيد دليلًا على ما جاء النقل به؟ هذا لا يمنع منه أهل السنة، لكن إذا سردوا المعتقد يذكرون الأدلة النقلية لئلا يُفْهَم من أن العقل له مجالٌ، فحينئذٍ يشتبه ما كتبه أهل السنة بما كتبه أهل البدعة.

إذًا هذا استفهامٌ بمعنى النفي المعلوم بالعقل مُشْربٌ معنى التحدي، يعني إن كنت صادقًا فأخبرنا {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} أي لا تعلم له مشابهًا لأنه جل وعلا الربُ وغيره المربوب، الغني من جميع الوجوه وغيره الفقير، الكامل الذي له الكمال المطلق من جميع الوجوه، يعني الغني من الوجوه وغيره الفقير، الكامل الذي له الكمال المطلق من جميع الوجوه وغيره ناقصٌ من جميع الوجوه، هذا برهانٌ قاطعٌ على أنه هو المستحق للعبادة، وأن عبادة غيره باطلةٌ، ولذلك نقول: الشرك دل عليه النقل والعقل، وكذلك التوحيد دل عليه النقل والعقل، هذا الذي يتعين هنا، وأما قول البعض بأن الشرك إنما دل عليه الشرع فقط هذا باطل ليس بصوابٍ. هذا برهانٌ قاطعٌ على أنه هو المستحق للعبادة، وأن عبادة غيره باطلةٌ، وفي الآية دليلٌ على أنه لا مثل له، ولا شبيه ولا نظير، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أسمائه، ولا في أفعاله. وهذا النفي كما قررنا فيما سبق متضمنٌ لإثبات كمال ضده وإلا ما صار مدحًا، وهذا النفي متضمنٌ لإثبات جميع صفات الكمال على وجه الكمال وهذا هو المعقول في فِطَرِ الناس، فإذا قالوا: فلانٌ لا مثل له ولا شِبْه له فإنهم يريدون أنه تفرد في الصفات والأفعال والمجد، فلا يلحقه فيه غيره، هكذا في لسان العرب. وفي الآية دليلٌ على إثبات الصفات لله سبحانه وتعالى كما يليق بجلال الله وعظمته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت