قال المصنف: (أَمَّا بَعْدُ؛ فَهَذَا اعْتِقَادُ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ) ، (أَمَّا بَعْدُ) وهذه الكلمة يُؤتى بها للانتقال من أسلوبٍ إلى أسلوبٍ آخر، هكذا اشتهر عن أرباب التصنيف، وهو كذلك ليس المراد هنا قد اعتراض البعض لأن هذا خطأ لأنهم لا ينتقلون لا يذكرون هذه اللفظة أما بعد إذا انتقلوا من أسلوب الأمر إلى أسلوب النهي، وإذا انتقلوا من أسلوب الترجي إلى أسلوب التمني، لا يذكر أما بعد، وهذا ليس مرادهم، هذا يعلمه من شم رائحة لسان العرب أنه لا ينتقل من أسلوبٍ بهذا المعنى، ثم يؤتى بأما بعد، وإنما مراد من ذكر ذلك من أسلوب المقدمة إلى أسلوب الدخول في المقصود هذا الذي عناه ولا اعتراض على أرباب الفنون والحواشي في ذكر هذه الجملة. إذًا يؤتى بها للانتقال من أسلوبٍ إلى أسلوبٍ آخر، يعني من المقدمة إلى الشروع في المقصود، هذا الذي عَنَوْهُ، والأسلوب هنا الأول أرادوا به المقدمة، والأسلوب الآخر أرادوا به الشروع في المقصود، ويُبْدَأُ الإتيان بها في الخطب والمكاتبات كما كان - صلى الله عليه وسلم - يأتي بها في خطبه ومكاتابته، رواه عبد القادر الرهاوي في (( الأربعين ) )له. عن أربعين صحابيًا وأما بعد هكذا بلفظها، أما وبعد هذه ليست هي السنة أما بعد بلفظ أما، وبعد. هذه التي يُقال: إنها سنة، وأما وبعد هذه من صناعة النحاة المتأخرين وليس هي السنة، كذلك (ثُمَّ أَمَّا بعد) بزيادة ثم ليس الأمر كذلك، ولَمِّا كانت أَمَّا متضمنةً لمعنى الشرط، وحينئذٍ صح دخول الفاء في جوابها، أما بعد فـ، الفاء هذه جزائية وقعت في جواب الشرط، أين الشرط؟ أما، لأنها نابت عن مهما يكون من شيء.
أَمَّا كَمَهْمَا يَكُ مِنْ شَيءٍ وَفَا ... لِتِلْوِ تِلْوِهَا وُجُوبًا أُلِفَا
ولما كانت أمّا متضمنة لمعنى الشرط أتى بعدها بفاء جزائية، وبعد ظرفٌ مبهم لا يفهم معناه إلا بإضافته إلى غيره، وهو زمانٌ متراخٍ عن السابق. قوله: (فَهَذَا) عرفنا الفاء أنها جزائية وهذا اسم إشارة، والأصل في الإشارة في وضعه في لسان العرب أن يكون لشيءٍ مُدركٌ بالحس، يعني يبصر يقال: هذا، ولذلك يقال: ما وُضِعَ لمسمًّى وإشارةٍ إليه، ولا يكون معرفةً إلا بالإشارة، لو قلت لزيد أردت أن تعرف شخصًا فقلت: هذا زيدٌ ولم تشر إليه هل سيعرفه؟ قطعًا لا، لو قلت لكم: هذا زيد. ولم أشر تعرفون من عنيت؟ الجواب: لا، لا بد أن يشير يقول: هذا زيدٌ هذا محمد، إذًا لا يتم المعرفة باسم الإشارة إلا بالإشارة الحسية، ما وضع لمسمًى وإشارةٍ إليه، فالإشارة الحسية داخلةٌ في التعريف فلو لم تكن حينئذٍ لا يكون معرفةً، فالأصل في وضعها أن يكون لشيءٍ محسوس مدرك بالبصر، ولا شك أن الملفوظات والمكتوبات لا تدرك بالحس، حينئذٍ جاء التأويل وقيل: إشارةٌ إلى المرتب الحاضر في الذهن مطلقًا، يعني كأنه استحضر في ذهنه الكتاب جملةً وتفصيلًا فقال: (هَذَا) كأنه أمرٌ مدركٌ ومرئيٌ في الخارج، قال: ... (هَذَا) سواءٌ تقدمت الديباجة أو تأخرت يعني المقدمة إلا حضورًا للألفاظ المرتبة ولا لمعانيها في الخارج (اعْتِقَادُ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ الْمَنْصُورَةِ) ، (أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ) هذه اصطلاحات شرعيةٌ تحتاج إلى وقفة.