الصفحة 508 من 883

إذًا ( {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي} ) ، ( {مَا} ) قلنا: (ما) هذه فاعل التسبيح، من الذي سَبَّحَ؟ جميع من في السماوات وجميع من في الأرض، هل تسبيح بلسان المقال؟ نقول: نعم هذا هو الأصح، وإن قال كثير من أهل العلم أنه بلسان الحال، لكنه ضعيف، إذًا الصواب أنه بلسان المقال، والله سبحانه قادر على خلق الإدراك في الجمادات وإنطاقها كما قال سبحانه عن الجلود: {أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [فصلت: 21] . أليس كذلك؟ وهي جمادات، أنطقها، كيف يُنطقها؟ الله أعلم، والأصل في الكلام الحقيقة، وقد سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - تسبيح الحصى، وورد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إني لأعرف حجرًا بمكة كان يُسَلِّمُ عليّ» . حجر، أليس كذلك؟ سَلَّم يعني قال: السلام عليك، أو السلام عليكم. قال سمعه النبي - صلى الله عليه وسلم -، هل هو لفظ؟ نقول: نعم، هو لفظ أخبرنا النبي - صلى الله عليه وسلم -، كيف نطق؟ الله أعلم، هل يستلزم اللسان والفك .. إلى آخره؟ لا، لا يستلزم، وكما في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما خطب على المنبر حنّ الجذع الذي كان يخطب عليه سابقًا وسمع له بكاؤه .. إلى آخره، وقال تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ} . يعني لا تفهمون تسبيحهم، ما الذي أدراك؟ لا تدري، وإنما جاء من جهة الوحيّ.

قوله: ( {مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} ) . أي جميع من في السماوات والأرض يسبح لله وحده، ويُنَزِّهُهُ عن ما لا يليق بجلاله وعظمته، وقدّم السماوات على الأرض لأنها مقدمةٌ بالرتبة والفضل والشرف، أفاده ابن القيم رحمه الله تعالى، يعني السماوات أشرف من الأرض. قوله: ( {لَهُ الْمُلْكُ} ) . مبتدأ وخبر، مبتدأ الملك، وله خبره مقدم، وقدم ما حقّه التأخير فأفاد القصر والحصر، إذًا الملك له لا لغيره، كما نقول: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} أي لا نعبد إلا إياك، {وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] أي لا نستعين إلا بك، وهكذا، إذًا ( {لَهُ الْمُلْكُ} ) يعني لا لغيره، ( {الْمُلْكُ} ) (أل) هنا تدل على الاستغراق والشمول والكمال، فكل مُلْكٍ فهو لله جل وعلا فهو لله، أي هو المالك وحده، من أين أخذنا وحده؟ لأن فيه إثباتًا ونفيًا، من حيث ماذا؟ من حيث تقديم ما حقّه التأخير، فهو المالك وحده لجميع المخلوقات النافذ فيها أمره، يتصرف فيها كيف يشاء، لا معقب لحكمه، ولا راد لأمره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت