والخاص كقوله سبحانه: {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا} [النازعات: 45] . يعني ( {لِلْعَالَمِينَ} ) هذا لم يتعلق باعتبار شخصٍ دون شخص، صحيح؟ أما {مَن يَخْشَاهَا} يعني من خَشِي، الذي يَخْشَى هو الذي يُنْذَر، احترز به عمن لا يخشى، لا لكونه لا يُنْذَر ترفع عنه الرسالة لم يبعث إليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما يقيد أحيانًا في مثل هذه المواضع بمن يتقبل الإنذار، فحينئذٍ من يخشى هو الذي يقبل الإنذار، الذي لا يبالي ولا يخشى لا يقبل، فلكونه لم يقبل لم يجعل الإنذار له لا حقيقةً وإنما من حيث القبول، ولذلك قال تعالى هناك: {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 1، 2] . هل نزل القرآن للمتقين فقط؟ لا، إذًا لم قيد {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} مع أنه هدًى للكافرين، لكون الذي يقبل هداية هذا الكتاب هم المتقون، فلما كان لا يقبل هداية هذا الكتاب إلا المتقون كأنه نَزَلَ عليهم ولم ينزل على غيرهم مع كونه نزل على غيرهم، فحينئذٍ صار هذا إنذارًا خاصًا {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا} ، وقوله: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ} [يس: 11] . فهذا الإنذار الخاص هو التام النافع الذي ينتفع به المنذر فلما انتفع به المنذر قُيِّدَ به في النص، لا لكون النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يبعث إلا من أجلهم؟ لا، وإنما لكونه قد انتفع به قُيِّدَ به، والإنذار هو الإعلام بالخوف فعلم المخوف فآمن وأطاع. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
ونذارته - صلى الله عليه وسلم - تنقسم إلى قسمين:
عامةٍ.
وخاصة.
فالعامة كما في هذه الآية: ( {لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} ) هذه عامة.
والخاصة كقوله سبحانه: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] . خاص، وليس خاصًا بمعنى أنه منفيٌ عن غيرهم؟ لا.
قوله: ( {لِيَكُونَ} ) أي النبي - صلى الله عليه وسلم - ( {لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} ) اللام في قوله: ( {لِيَكُونَ} ) لام العلة، ودخول للام التعليل بشرعه أكثر من أن يعدَّى يعني إثبات الحكمة والعلة خلافًا للأشاعرة ومن سار على سيرهم. ففيه دليلٌ على تعليل أفعال الله وأنه لا يفعل شيئًا إلا لعلةٍ وحكمة. قال الشيخ تقي الدين: هذا قول السلفي وجمهور المسلمين وجمهور العقلاء. انتهى، بل وإجماع الصحابة رضي الله تعالى على هذه المسألة.
( {لِلْعَالَمِينَ} ) المراد بالعالمين هنا الجنّ والإنس، ففيه دليلٌ على عموم رسالته - صلى الله عليه وسلم - وبعثته إلى الجن والإنس، وفيه دليلٌ على أن الجنّ مكلفون، ويتضمن الدلالة على أنهم يُثابون على الحسنات ويجازون على السيئات إذ لا معنى للتكليف إلا هذا، كونهم مكلَّفون يدل على ماذا؟ على أنهم إن عملوا صالحًا أُثيبوا، وإن عملوا سيئًا وحينئذٍ يُجَازَوْنَ، لكن هل كل صالحٍ عند الإنس يكون هو بعينه صالحًا عند الجن، وكل سيءٍ يكون كذلك؟ الله أعلم، يعني هل التشريعات التي جاءت في القرآن وخوطب به المكلَّف الإنسي هل هي عامةٌ للجن؟ نقول: الله أعلم، وإنما نثبت اللفظ عامًا فنقول: ما كلِّفَ به الإنس كُلِّف به الجن، وأما على التفصيل فهذا نحتاج إلى دليلٍ.