الصفحة 514 من 883

وفيه دليلٌ على أن من بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة ( {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ} ) . قال: ( {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} ) إذًا ربط هنا بين ماذا؟ بين شيئين، بين نزول القرآن وبين كون النذارة حصلت به، دل ذلك على ماذا؟ على أن قيام الحجة إنما تكون ببلوغ القرآن لا بفهمه.

فرقٌ بين مسألتين قد خلط فيهما من خلط: بلوغ الحجة، وفهم الحجة.

الذي يترتب عليه الإيمان والكفر هو بلوغ الحجة، وأما فهم الحجة فليس بلازمٍ، ولذلك أكثر من حُكِمَ عليهم في القرآن في أقوام الرسل عمومًا وفيمن بُعِثَ إليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر من حُكِمَ عليه بالكفر وهم جهال، ولذلك جاء في مواضع عديدة: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [القصص: 13] ، {لاَ يَعْقِلُونَ} [المائدة: 103] ، ختم على قلوبهم، ختم على أبصارهم ... إلى آخره دل ذلك على ماذا؟ على أنهم جهال، ومع ذلك أثبت وصف الكفر والشرك لهم، حينئذٍ لا نقول: بأن إقامة الحجة لا بد أن يفهم، كل من بلغه القرآن قامت عليه الحجة، فإن وقع في ناقضٍ من نواقض الإسلام وخاصةً في الشركيات ونوقض التوحيد نَزَلَ الحكم عليه مباشرةً، فحينئذٍ من تَلَبَّسَ بالشرك وهذه المسألة العصرية: من تلبس بالشرك الأكبر فهو مشركٌ ونحكم عليه بذلك، ولا نقول: هل أقيمت عليه الحجة أم لا؟

هل يُعذرون بالجهل أم لا؟

كل هذا الكلام حادث من البدع التي تَلَبَّسَ بها كثيرٌ من المتأخرين.

والحقّ أن يقال: بأن مسائل الشرك الأكبر ليس فيها عُذْرٌ بجهل البتة، وإنما يقع العذر بالجهل في المسائل غير الظاهرة التي قد تكون خفية، فحينئذٍ نحتاج إلى مسألتين:

الأول عذر بالجهل.

ثم تأتي المسألة الأخرى تحقق الشروط وانتفاء الموانع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت