الصفحة 515 من 883

أما من يذبح للوليّ لا نقول: تعال، وطبق القاعدة، تحققت الشروط وانتفت الموانع، نقول: لا، هذا انتقض عنده التوحيد أصلًا، ليس بمسلمٍ، هذا مشرك، ولذلك حكم الباري عليهم جل وعلا بأنهم مشركون قبل سماع القرآن. فدل ذلك على ماذا؟ على أنهم قبل سماع القرآن لا شك أنهم من أهل الفترة أو لا؟ من أهل الفترة، وحكم عليهم بوصف الشرك في القرآن كله قال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ} [التوبة: 6] . {مِّنَ الْمُشْرِكِينَ} ، {حَتَّى يَسْمَعَ} إذًا ما بعد حتى يدل على ماذا؟ على أنه لم يقع قبل، فسماع القرآن لم يكن فحكم عليه بماذا؟ {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ} لم يقل من الخلق الذين لم يقع عليهم وصف الشرك، بل حكم عليه بكونه مشركًا فكل من تَلَبَّسَ بالشرك الأكبر وقع عليه الوصف، وتُنَزّل عليه الأحكام، ولذلك أشدُ من هذا ابن القيم رحمه الله تعالى في مسألة أهل الفترة، أهل الفترة إن قلنا بوجودهم الذين حدّهم أهل العلم: بأنهم لم يدركوا ولم يدركهم، لم يدركوا الرسول السابق، ولم يدركهم الرسول اللاحق، إذًا بين رسولين، ما بلغهم الشرع السابق ولا أدركهم الرسول اللاحق فحينئذٍ إن وقعوا في الشرك ما حكمهم؟ اختلف أهل العلم، خلافهم نص ابن القيم رحمه الله تعالى في (( طريق الهجرتين ) )أن الخلاف إنما هو في الآخرة هل يدخلون النار هل يُعذبون هل يُختبرون؟ هل يرسل إليهم رسول؟ .. إلى آخره، خلافًا أن الموجود عند أهل العلم خلافٌ في الآخرة.

قال: وأما في الدنيا فبالإجماع أنهم مشركون وتُنَزَّل عليهم أحكام الشرك، يعني لو وجد شخصٌ ما وعلمنا أنه لم يصل إليه الإسلام وجدناه ميتًا، حينئذٍ لا يُصلى عليه ولا يورث، .. إلى آخر الأحكام المترتبة على الشرك.

ينبني على هذا ما قد يذكره بعض الجهلة الآن يقول: الإسلام لم يصل إلى أفراد اليهود والنصارى في أوربا وفي أمريكا، بل بعضهم ما سمع بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ما حكمه؟ قالوا: هذا يعامل معاملة أهل الفترة. إذًا نتوقف لا نحكم عليه بأنه كافر أو مسلم، هذا جهلٌ، جهلٌ مركب، والحق أن نقول ماذا؟ أنه ولو لم يبلغه الإسلام قد يقال: بأنه لم يصل إليه الإسلام أو وصل إليه الإسلام مشوشًا فحينئذٍ ما بلغه القرآن أليس كذلك؟

هل نحكم عليه بأنه مسلم؟

أو كافر؟

أو نقول: منزلة بين المنزلتين؟

أو نتوقف؟

قطعًا بالإجماع أنه كافر، كل يهوديٍّ فهو كافر، بلغه الإسلام أو لا.

كل نصرانيٍّ فهو كافر بلغه الإسلام أو لا.

أما أن نقول: لا بد من مسألة العذر بالجهل يدخل تحتها اليهود والنصارى أفرادًا، ومسألة تحقق الشروط وانتفاء الموانع يدخل تحتها اليهود، هذا كلامٌ جديد ليس بمعروفٍ عن السلف البتة، وإنما لَمّا دخلت بعض الشوائب من الجهمية والإرجاء إلى بعض الناس حينئذٍ جاءت هذه القواعد، وجاءت هذه الاستثناءات، وجاءت هذه التفاصيل، وإلا والكلام كله كلامٌ باطل، إما من جهمي متستر، وإما من مرجئ ونحوه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت