هنا قال ماذا؟ دلّ هذا النص على أن من بَلَغَهُ القرآن فقد قامت عليه الحجة. وهو واضحٌ بَيّن لقوله سبحانه وتعالى: {لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ} [الأنعام: 19] ، من بلغه يعني القرآن مفعول به محذوف.
وأفادت هذه الآية الحكمة في إرسال الرسل وإنزال الكتب.
{الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الفرقان: 2] . أي له التصرف فيهما والجميع خلقه وعبيده.
{وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} أي لكمال غناه وقيامه بنفسه وحاجة كل شيءٍ إليه وافتقاره، وقيام كل شيءٍ به سبحانه وتعالى {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} أي أوجد وأنشأ وأبدع، وتأتي خلق بمعنى قَدِرَ وتأتي بمعنى كَذَبَ كما قال سبحانه: {وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا} [العنكبوت: 17] وقوله: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} يعني كل شيءٍ مخلوق، يعني يُفهم هذا النص بسائر النصوص، لا يقال لأن الباري جل وعلا يصدق عليه أنه شيء {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللهِ} [الأنعام: 19] . إذًا دخل الباري جل وعلا تحت قوله: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ} فصدق عليه أنه شيء. إذًا {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} . هل الباري مخلوق أو لا؟ هذا فهم سقيم لا يتأتى هنا البتة، وإنما نقول: كن هذه كليةٌ تفيد العموم، يُفهم منها الكلية بحسب كل مقامٍ يقتضيه المقام، يعني {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} من الخالق؟ الله عز وجل هو فاعل الخلق كيف {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} يرد أن شيء يدخل فيه تحته الباري جل وعلا هذا ليس بواردٍ، إذًا {خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} مخلوقٍ، فيدخل في ذلك أفعال العبد فهي خلقٌ لله وفعلٌ للعبد، ولا يدخل في ذلك أسماء الله وصفاته، لأن الأسماء والصفات تابعةٌ للذات يُحْتَذَى فيها حَذْوُهَا، وعموم (كل) في كل مقامٍ بحسبه. كقوله سبحانه: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} [الأحقاف: 25] . والسماوات باقية والأراضون باقية ما دمرت، والجبال باقية فحينئذٍ نقول: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} أي كل شيءٍ أُمِرَتْ بتدميره، حينئذٍ يكون ماذا؟
يكون عامًا أريد به الخاص، لأن العموم عند الأصوليين نوعان:
عامٌ مخصوص، وعامٌ أريد به الخصوص أو الخاص.
الأول حقيقي، والثاني مجازي. وبحثه عند الأصوليين.
قوله كذلك: {وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: 23] . أي من كل شيءٍ يصلح للملوك فلا يدخل في ذلك القرآن، لأن القرآن كلامه، وهو صفةٌ من صفاته يعني لا يدخل تحت قوله: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} لا يستدل به على إثبات أن القرآن مخلوق، لماذا؟ لأن القرآن من صفة الباري جل وعلا، والباري وصفاته وأسماؤه ليست داخلةً تحت قوله: {كُلَّ شَيْءٍ} ، والله سبحانه وتعالى بصفاته غير مخلوقٍ كما في الصحيح من حديث خولة «من نَزَل منزلًا وقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيءٌ حتى يرحل من منزله ذلك» . فاستعاذ بكلمات الله، والاستعاذة بالمخلوق شركٌ، فدل على أن كلامه سبحانه غير مخلوقٍ كما استدل بذلك أحمد وغيره.