الصفحة 517 من 883

قوله: {فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} . أي قدر رزقه وأجله وحياته وموته وما يصلح له، ففيه دليلٌ على الإيمان بالقدر، ودليلٌ على سبق علم الله سبحانه وتعالى بالأشياء وكتابتها، كما ثبت تفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «قَدَّر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» .

وفي البخاري عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «كان الله ولم يكن شيءٌ قبله وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السماوات والأرض» .

وفي روايةٍ «ثم خلق السماوات والأرض» . وأحاديث تقديره وكتابته سبحانه لما يريد أن يخلقه كثيرةٌ جدًا، وسيأتي في مبحث القدر إن شاء الله تعالى.

أفادت هذه الآية على ما تقدم عموم ربوبيته سبحانه وتعالى وملكه، وأنه الإله الحق، وبطلان عبادة ما سواه، وأفادت الحثَّ على التوكل، لأن من وقر في قلبه أن الملك لله، وأنه المتصرف النافع الضار لم يُبالِ بأحدٍ من الخلق البتة.

وأفادت - كما ذكره بعضهم - أن العباد لا يملكون الأعيان ملكًا مطلقًا، وإنما يملكون التصرف فيها على مقتضى الشرع.

وأفادت تحريم الإفتاء بغير علم، لأنه ربوبيته وملكه يمنع من الحكم والإفتاء بغير إذنه وبغير حكمه - وهو كذلك -.

وأفادت تعدد السماوات وأنها أشرف من الأرض لأنه قدمها.

وفيها تنزيهه سبحانه وتعالى عن مشابهة المخلوقين في قوله: {وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} فإن الولد عادةً يكون من جنس الوالد.

وفيها الرد على اليهود القائلين: العزير ابن الله، والنصارى القائلين: المسيح ابن الله، والمشركين القائلين: الملائكة بنات الله.

وفيها الرد على المشركين في إشراكهم معه غَيْرَه.

والرد على المجوس القائلين: بأن النور خلق الخير والظلام خلق الشّرّ.

والرد على الدُّهْرِيّة القائلين: ما هي إلا حياتنا الدنيا.

وفيها الرد على القدرية القائلين: بأن العباد يخلقون أفعالهم.

قال: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} وأفعال العباد مخلوقة.

وتضمن إثبات صفة العلم لله سبحانه وتعالى، فإن الخالق لا بد أن يعلم مخلوقه {خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} . إذ الخلق فرع العلم، فلا يمكن الخلق إلا بعد العلم.

قال تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14] .

وفيها: انتظام هذا الكون واتساقه على أكمل نظامٍ وأتمه مما يدل دلالةً واضحةً على أن له خالقًا ومدبرًا وهو الله سبحانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت