قال المصنف رحمه الله تعالى: (وَقَوْلِهِ: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [المؤمنون: 91، 92] ) . قوله: ( {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ} ) ، ... ( {وَلَدٍ} ) هذا مفعولٌ به، و ( {اتَّخَذَ} ) قيل فيه ما قيل فيما سبق ... ( {مِن وَلَدٍ} ) نكرة في سياق النفي فيعم، ودخلت عليه ( {مِن} ) ، وسبق أن الاتخاذ أعم من الولادة، لأنه يَعُمّ التبني، يعني ما اصطفى أحدًا يكون ولدًا له، لا عُزَيْر ولا المسيح ولا الملائكة، ( {مَا اتَّخَذَ} ) يعني ما اصطفى، لم يجعل له ولدًا، لا بالتبني والادعاء، ولا بالولادة، لا عزير، ولا المسيح، ولا الملائكة، ولا غيرهم. ما اصطفى أحدًا يكون ولدًا له، لا عزير، ولا المسيح، ولا الملائكة، ولا غيرهم، لأنه مُنَزَّهٌ عن المثل والشبيه والنظير، والولد يشبه والده فلم يتخذ ولدًا لكمال صمديته، وغناه، وملكه، وتعبد كل شيءٍ له، فاتخاذ الولد ينافي ذلك كما قال سبحانه: {قَالُواْ اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ} [يونس: 68] . كما مر في الآية السابقة.
ففيه الرد على من زعم أنه له ولدًا كاليهود والنصارى والمشركين وغيرهم، وإذا انتفى اتخاذ الولد فانتفاء أن يكون والدًا من باب أولى كما مر في سورة الإخلاص.
{وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ} [المؤمنون: 91] ، {إِلَهٍ} هذا اسم كان {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ} الظرف هو خبر مقدم، و {مِنْ إِلَهٍ} من هنا زائدة، و {إِلَهٍ} هذا اسم كان، أي ليس معه سبحانه مألوه شريك له في الألوهية {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ} إله فِعَال بمعنى مفعول. إذًا ليس له مألوهٌ، شريكٌ له في الألوهية، لماذا؟ لتفرده سبحانه بالألوهية والربوبية وتَوَحُّدِهِ بصفات الكمال التي لا يُوصَفُ بها غيره سبحانه فيكون شريكًا له، وكذا كل سلبٍ وُجِدَ فهو لتضمنه إثبات كمال ضده وإلا فالسلب المحض ليس بمدح ولا ثناء كما مر في القاعدة السابقة.
{إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ} إذ لو كان معه إله، إذًا إذا إذ لو كان التنوين هنا عوضٌ عن جملةٍ، التنوين الذي يلحق إذ يكون عوضًا عن جملةٍ أو عن جمل، إذ لو كان معه إله {لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ} أي إذ لو كان معه إلهٌ لذهب كل إلهٍ بما خلق، إن كان منفردًا بالخلق يعني يحصل التنازع، وكل إلهٍ خلق شيئًا ما انفرد به، فصار له للكون إلهان، صار للكون إلهان، أي انفرد به، ومنع غيره من الاستيلاء عليه، وهو كذلك فلو قُدِّرَ ذلك لَمّا كان ينتظم الوجود، لو قُدِّرَ بأن ثَمَّ إِلَهَيْنِ للكون، وكل إلهٍ خلق، لا يكون إلهًا إلا إذا كان خالقًا، فحينئذٍ إذا انفرد كل واحدٍ منهما اختل الكون. والمشاهد أن الوجود منتظم متسقٌ {مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ} [الملك: 3] دل على ماذا؟ على أنه ليس للكون خالقًا.