{وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} أي لو كان معه إلهٌ لعلا بعضهم على بعضٍ مغالبة كفعل ملوك الدنيا، فكل واحدٍ منهم يطلب قهر الآخر والمتكلمون ذكروا هذا المعنى وعبروا عنه بدليل التمانع {سُبْحَانَ اللَّهِ} أي تنزيهًا لله سبحانه والتسبيح والتنزيه عن كل نقصٍ وعيب كما مر معنا.
{عَمَّا يَصِفُونَ} أي عن الذي يصفون به أي تنزيهًا له سبحانه عمَّا يصفه به المخالفون للرسل عليهم السلام.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: تأمل هذا البرهان الباهر بهذا اللفظ الوجيز الْبَيِّن. يعني دليلٌ قاطع على أن الكون ليس له إلا إلهٌ واحد، إذ لو كان له إلهان حينئذٍ احتمالان:
-إما أن يتفرد كل إلهٍ بما خلق، وهذا يدل على ماذا؟ يدل على عدم اتساق وانتظام الكون، لكن المشاهد ما هو؟ خلاف ذلك.
إذًا بطل هذا.
-أو يعلوا بعضهم عن بعضٍ، يستولي بعضهم على بعض كذلك الكون لا ينتظم والمشاهد وانتظامه.
قال ابن القيم: تأمل هذا البرهان الباهر بهذا اللفظ الوجيز الْبَيّن، فإن الإله الحق لا بد أن يكون خالقًا فاعلًا يُوصل إلى عابديه النفع ويدفع عنهم الضُّرّ، فلو كان معه إلهٌ آخر لكان له خلقٌ وفعل، إذ لا يكون إله إلا إذا كان خالقًا، ولا يكون إله إلا إذا كان فاعلًا، وأما احتمال إلهٍ لا يخلق ولا يفعل هذا احتمالٌ صوري في الذهن فقط، وأما في الوجود فلا. وحينئذٍ فلا يرضى شركة الإله الآخر معه، بل إن قدر على قهره والتفرد بالإلوهية دونه فعل، وإن لم يقدر على ذلك انفرد بخلقه وذهب به كما ينفرد ملوك الدنيا بعضهم عن بعضٍ بممالكهم إذا لم يقدر المنفرد على قهر الآخر والعلو عليه، فلا بد من أحد أمورٍ ثلاثة:
-إما أن يذهب كل إلهٍ بخلقه وسلطانه.
-وإما أن يعلوا بعضهم على بعضٍ.
-وإما أن يكون كلهم تحت قهر إلهٍ واحدٍ يتصرف بهم ولا يتصرفون فيه. فيكون وحده هو الإله الحق، وهم العبيد المربوبون المقهورون، وانتظام أمر العالم العلوي والسفلي، وارتباط بعضه ببعضٍ، وجريانه على نظام محكمٍ لا يختلف ولا يفسد من أدل دليلٍ على أن مدبره واحدٌ لا إله غيره.
كما دل دليل التمانع على أن خالقه واحدٌ لا رب غيره، فكذلك تمانع في الفعل والإيجاد، وهذا تمانعٌ كذلك، تمانع في الفعل والإيجاد، وهذا تمانعٌ في الغاية والألوهية، فكما يستحيل أن يكون للكون ربان خالقان متكافئان، كذلك يستحيل أن يكون له إلهان معبودان.
قوله: {عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} [المؤمنون: 92] أي يعلم ما غاب عن العباد وما شاهدوه، والغيب ينقسم إلى قسمين - كما مر:
غيبٌ مطلق، وغيبٌ مقيد.
فالمطلق لا يعلمه إلا الله، ومن ادَّعَاه فهو كافرٌ مرتد عن الإسلام، وهو ما غاب عن جميع المخلوقين وهو الذي قال فيه: {فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا} [الجن: 29] .
هذا المطلق لا يعلمه إلا الله، وهو ما غاب عن جميع المخلوقين، وهو الذي قال فيه: {فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا} .