الصفحة 520 من 883

والغيب المقيد هو ما علمه بعض المخلوقين من الجن والإنس فهو غيبٌ عمن غاب عنه، وليس هو غيبًا عمن شَهِدَهُ يعني حضره البعض وغاب البعض، حينئذٍ يكون شهودًا باعتبار من حضر، ويكون غيبًا باعتبار من لم يحضر. هذا يسمى غيبًا نسبيًا، من ادَّعَاه لا يكفر. والناس قد يغيب عن هذا ما يشهد هذا فيكون غيبًا مقيدًا، أي غيبًا عن من غاب عنه من المخلوقين لا عن من شهده، وليس هو غيبًا مطلقًا عن المخلوقين قاطبة.

{فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} ، {تَعَالَى} أي علا وتَنَزَّهَ وتَقَدَّسَ عما لا يليق بجلاله، فله سبحانه العلو الكامل المطلق من جميع الوجوه، وهو ثلاثةُ أنواع:

علو القهر: أي إنه جل وعلا على كل شيء، بمعنى أنه قاهرٌ له، قادرٌ عليه وتصرفٌ فيه كما قال تعالى: {إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} .

وله سبحانه كذلك النوع الثاني علو القدر: فتعالى سبحانه وتَنَزَّهَ عن المثيل والنظير وتَنَزَّه عن النقائص والعيوب كما قال سبحانه: {سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] ، وفي دعاء الاستفتاح وتعالى - أي تعاظم - جدك.

وله سبحانه النوع الثالث علو الذات: أي أنه عالٍ على الجميع فوق عرشه وهو علوٌ خاص وعلوٌ عامٌ، واثبات علوه سبحانه على ما سواه وقدرته عليه وقهره يقتضي ربوبيته له وخلقه له، وذلك يستلزم ثبوت كماله، وعلوه عن الأمثال يقتضي أنه لا مثل له في صفات الكمال، فاسمه العلي الأعلى يتضمن اتصافه بجميع صفات الكمال وتنزيهه عما ينافيها من صفات النقص. وعن أن يكون لهم مثلٌ وأنه لا إله إلا هو ولا رب سواه.

وفي هاتين الآيتين من صفات النفي تنزه الله تعالى عن اتخاذ الولد الذي وصفه به الكافرون، وعن الشريك له جل وعلا في الألوهية الذي أشرك به المشركون، وهذا النفي لكمال غناه وكمال ربوبيته وإلهيته.

نقف على هذا، والله أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت