الصفحة 522 من 883

ومرّ معنا الفرق بين التمثيل والتشبيه فيما مرّ، فالتشبيه أعم من التمثيل، التمثيل إنما يكون من كل وجهٍ، والتشبيه قد يكون من وجه دون وجهٍ، ويدخل فيه التنزيه. إذًا ضرب المثل تشبيه حالٍ بحالٍ، وقصة بقصة، فلا يُمَثَّلُ سبحانه وتعالى في خلقه، ولا يُشَبَّهُ بهم سبحانه وتعالى، فإنه سبحانه وتعالى لا مِثْلَ له، وهذا مَنْ جَعَلَ صفات الخالق مثلَ صفات المخلوق، هذا الممثل، يعني المشابهة من كل وجهٍ، كأن يقول: له يدٌ كأيدينا، وله عين كأعيننا، قل: هذا جعل المشابهة مشابهة الخالق للمخلوق من كلِّ وجهٍ، فهذا هو الممثل المبطل المذموم، ومن جعل صفات المخلوق مثل صفات الخالق فهو نظير ما عليه النصارى في كفرهم، يعني تمثيل الخالق بالمخلوق، إذًا إما أن يمثل الخالق بالمخلوق، أو العكس أن يمثل المخلوق بالخالق، وكلاهما محرم وهو داخل في قوله: ( {فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ} ) ، النصارى ادَّعوا أن الله تعالى حلَّ في عيسى. قال الزجاج: ( {فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ} ) لا تجعلوا لله مِثْلًا لأنه واحد لا مِثْل له. وكانوا يقولون: إن إله العالم أَجَلّ من أن يعبده الواحد منَّا، فكانوا يتوسَّلون بالأصنام والكواكب، كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك، وأولئك الأكابر يخدمون الملك فنهوا عن ذلك، فنهاهم سبحانه عن أن يشبِّهوه بخلقه، يعني بمن اتخذ الوساطة بينه وبين الباري جل وعلا، ولذلك الشرك الأكبر قائم على ماذا؟ على تشبيه الخالق بالمخلوق، وهو الملك جل وعلا كما أن المشاهد بين المخلوقين أن الْمَلِك لا يُدْخَلُ عليه مباشرة، وإنما يدخل عليه بواسطة. قالوا: تعالى الله عز وجل أن يكون ملوك الأرض أبعد عن الخلق، أو عمن يدخل عليهم مباشرة حينئذٍ نزَّهوه عن ذلك، ظنًّا منهم أن ذلك من التنزيه، وأولئك الأكابر يخدمون الملك فنُهُوا عن ذلك، فنهاهم سبحانه عن أن يشبِّهوه بخلقه.

وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله سبحانه: ( {فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ} ) يعني اتخاذَهم الأصنام، يقول: لا تجعلوا معي إِلَهًا غيري، فإنه لا إله غيري. إذًا الشرك الأكبر قائم على التشبيه، وسواء كان الشرك الأكبر في مقام الربوبية أو في مقام الأُلوهيَّة أو في مقام الأسماء والصفات، فهو داخل في جميع الأنواع الثلاثة، وقد مرّ معنا شيء من ذلك ويأتي إن شاء الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت