قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في أثناء كلام له: والله سبحانه لا تُضْرَبُ له الأمثال التي فيها مماثلة لخلقه جل وعلا، فإن الله لا مثل له، بل له المثل الأعلى، يعني الوصف الأكمل من كل وجهٍ، فلا يجوز أن يُشْرَكَ هو والمخلوق في قياس تمثيل، ولا قياس شمول تستوي أفراده، ومرّ معنا أن القياس ثلاث أنواع، وقياس التمثيل هذا الذي يعنيه الفقهاء إلحاق فرع بأصل لعلة جامعة في الحكم، فيكون الفرع مجهولًا والأصل معلومًا، وثَمَّ علة هي موجودة في الأصل لأجلها وُجِدَ الحكم ووُجِد في الفرع، هذا يُسَمَّى قياس التمثيل لا يُجْعَلُ الباري كذلك، وقياس الشمول: أن يكون ثَمَّ لفظ عام تحته أفراد تستوي أفراده حينئذٍ نقول: هذا ممتنع لأنه يجعل المخلوق والخالق في منزلة واحدة داخلان تحت اللفظ، وهذا باطل، إذًا قياس الشمول ممتنع، بل يُستعمل في حقِّه المثل الأعلى، وهو الذي يُسَمَّى بقياس الأولى، وعرفنا فيما سبق أن قياس الأولوي هذا لا تثبت به صفة على جهة الاستقلال، لأن مردَّه إلى العقل، كلّ كمال في المخلوق فالله تعالى أولى بالاتصاف به، وكل ما نزِّه عنه المخلوق فالله تعالى أولى بالتنزيه عنه، نقول: هذا عقد، فحينئذٍ نحتاج إلى ماذا؟ إلى إثبات عين الصفة من النصّ، ويساندها هذا المعنى، وأما أن تثبت صفة لم يَرِدُ بها النص بقياس الأولى، هذا فيه نظر، ليس بصواب، وإنما يكون مستند الصفة النصّ، ثم يُجْعَلُ هذا الدليل مُساندًا له، ومرّ معنا أن العقل عند أهل السنة والجماعة لا مدخل له من حيث ماذا؟ من حيث الاستقلال، وأما من حيث الفهم والاستنباط ومن حيث إسناد ما جاء به النص من حيث الفهم لا إشكال فيه، فنقول: الرحمة مثلًا دلّ عليها النصّ والعقل يدل عليها، لكن هل أثبتنا، يرد السؤال هنا: هل أثبتنا الرحمة من جهة العقل استقلالًا؟ الجواب: لا، وإنما العمدة ماذا؟ العمدة هو النص، الوحي كتابًا وسنة، ولذلك مرّ معنا أن القواعد هنا في باب الأسماء والصفات أنها توقيفية، وهذا معنى أنها ماذا؟ أنها موقوفة على السمع، يدل ذلك على أن العقل لا مدخل له من حيث الاستقلال، وأما من حيث المساندة فلا إشكال فيه، فكلّ ما يمر بك من كلام أهل العلم سواء كان في كلام شيخ الإسلام أو غيره ممن بعده يقول: دلّ على ذلك النص والعقل إلى آخره، فليس المراد العقل استقلالًا، وإلا ما الفائدة من القاعدة: أن الأسماء والصفات توقيفية، هذا تضارب بينهما، وإنما نقول: ما دلّ عليه النص لا يمنع منه العقل، ولذلك صفة الاستواء سمعية محضة بحتة، لولا ورود النص لما توصل العقل إليها البتة. إذًا من الصفات ما يُسانده العقل، يعني لا يمنع العقل من أن تأتي هذه الصفة ثابتة لله جل وعلا، ومنه ما لا يُدرك العقل استقلالًا ولا استنباطًا ولا تبعًا:
الأول مُسَلَّم من حيث الاستقلال عمومًا.
والثاني من حيث ما دل النص عليه على جهة المحضيّة كالاستواء واليد والعين، هذه والرجل والقدم.