الصفحة 524 من 883

لولا ورود النص لَما توصل العقل البتة مطلقًا، فلا نقول: دلّ عليه الكتاب والسنة والعقل، إلا إذا أردنا بالعقل ماذا؟ أن العقل لا يمنع، وحينئذٍ لا بأس أن يُذكر من جهة أنه مِمَّا يُستدل به، وأما أنه كالرحمة تثبت بجهة النص، وتثبت كذلك من جهة العقل، نقول: لا، ليس الأمر سيَّان، ليس متساويَيْنِ، إذًا فلا يجوز أن يُشْرَكَ هو الباري جل وعلا - والكلام لشيح الإسلام رحمه الله تعالى: والمخلوق في قياس تمثيل ولا قياس شمول تستوي أفراده، بل يُستعمل في حقِّه، بل للإضراب يعني اضرب عمَّا سبق، انتقل إلى ما هو جائز من الممنوع إلى الجائز، بل يُستعمل في حقّه المثل الأعلى، وهو، ما هو المثل الأعلى؟ أن كل ما اتَّصف به المخلوق من كمال فالخالق أولى به، وكل ما يُنَزَّه عنه المخلوق من نقصٍ فالخالق أولى بالتنزيه، هذا الذي يُسَمَّى قياس الأولوي، ومرَّ معنا تفصيله فيما سبق. قال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] يعني العالم والجاهل لا يستويان، لا من جهة النص ولا من جهة العقل، العقل يمنع أن الذي يجهل أن يُجْعل في مرتبة مَنْ يَعْلَم، دلَّ العقل على أن الجاهل لا يستوي مع العارف، {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} لا يستويان، وهذا يُبين أن العالم أكمل ممن لا يعلم، وهذا واضح، وحينئذٍ فالمتصف به أولى، يعني الباري جل وعلا، إذًا نثبت صفة العلم من جهتين، من جهة النص أو الأصل، ومن جهة أن العلم كمال في المخلوق، فواهب العلم أولى بهذا الكمال {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ} [النحل: 60] ، وقال تعالى: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ} - يعني إبراهيم عليه السلام - {يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا} [مريم: 42] فدل على أن السميع البصير الغني أكمل ممن ليس بسميع ولا بصير ولا غني، وأن المعبود يجب أن يكون كذلك لأن وبَّخه قال: {يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ} ، وإنما يُعبد من يسمع، {وَلَا يُبْصِرُ} وإنما يعبد من يُبصر، {وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا} وإنما يُعبدُ الذي هو غني من كل وجهٍ، وأن المعبود يجب أن يكون كذلك سميعًا بصيرًا غنيًّا. قال رحمه الله تعالى: (فمن جعل الواجب الوجود لا يقبل الاتصاف بصفات الكمال المذكورة فقد جعله من جنس الأصنام الجامدة التي عابها الله وعاب عابديها) . إذًا ما الفرق بين من يقول ممن ينتسب للإسلام: أن الله تعالى لا يتصف بصفة السمع، ولا صفة البصر، ممن قال فيه إبراهيم عليه {لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ} ما الفرق بينهما؟ إذا كانت هذه الأصنام عِيبَتْ لأجل ماذا؟ لأجل أنها لا تسمع ولا تبصر، والله تعالى على كلامهم لا يسمع ولا يبصر ما الفرق بينهما؟ لا فرق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت