ثم قال: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} ، {ثُمَّ} للترتيب. إذًا {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} هل كان مستويًا على العرش؟ الجواب: لا، صحيح؟ الجواب صحيح أم لا؟ {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} هل الباري قبل استواءه على العرش يعني يوم خلق السماوات والأرض في ستة أيام هل هو مستوٍ على العرش؟ الجواب: لا، ما الذي دل على ذلك؟ {ثُمَّ} تدل على الترتيب مع التراخي، يعني ما بعده واقعٌ وحاصلٌ وموجودٌ بعد ما سبقه، فخلق ولم يكن متصفًا بما ذُكِرَ بعد {ثُمَّ} ، هذا لسان العرب خلق اتصف بهذا الوصف ولم يكن متصفًا بما ذكره بعد {ثُمَّ} ، ثم لما أنهى الخلق في تسة أيام قال: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} دل ذلك على أن الاستواء صفةٌ فعلية، وكل صفةٍ متعلقة بسببٍ أو بالمشيئة فهي صفةٌ فعلية دل ذلك على أنه خلق ولم يكن مستويًا. قال: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} أي استوى استواءً يليقًا بجلاله وعظمته لا نُكَيِّفُه ولا نُمَثِّلُهُ كسائر الصفات، ولا يعلم كيف هو إلا هو، لا يعلم كيف استوى إلا الباري جل وعلا، وإنما إثباتنا هنا وإيماننا من جهة المعنى، يعني إثبات المعنى الذي دل عليه لسان العرب، وأما كيف هو؟ هذا لم يخبرنا به، أخبرنا بأنه استوى ولم يخبرنا بكيف استوى. كما قال مالك رحمه الله تعالى: الاستواء معلومٌ أو غير مجهول. الاستواء معلوم والكيف مجهولٌ والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة. وقول مالك: الاستواء معلوم. أي في لغة العرب، والكيف مجهول. أي كيفية استوائه لا يعلمها إلا هو، والإيمان به أي بالاستواء واجبٌ لتكاثر الأدلة في إثباته، ولا يحتمل التأويل، والسؤال عنه أي عن الكيفية بدعةٌ إذ لا يعلم كيفية استوائه إلا هو جل وعلا، فإن الكلام في الصفات فرعٌ عن الكلام في الذات، والذات غير معلومة، أليس كذلك؟ مجهول باتفاق مجهولة الكيفية بالنسبة للخلق، وإلا هي لها كيفيةٌ، حينئذٍ العلم بالكيفية محالٌ هنا، فكل صفةٍ أضيفت إلى هذه الذات الذي الأصل فيها عدم العلم بكيفيتها كذلك الصفة غير معلومةٍ من حيث الكيفيات، والكلام في الصفات فرعٌ عن الكلام في الذات فكما نعلم أن لله ذاتًا لا تُشْبِهُ الذوات فكذلك يجب أن نثبت له صفاتٍ لا تُشْبِهُ الصفات، فإثباتنا للصفات إثبات وجودٍ لا إثبات تكييفٍ وتمثيل. إذ العلم بالصفة فرعٌ عن العلم بالموصوف، ولا يعلم كيف هو إلا هو، وكذلك يقال في بقية الصفات، القاعدة مطردة في جميع الصفات كما مر معنا مرارًا. وصفة المجيء، والنزول، والإتيان، والوجه، واليد، ونحو ذلك. نُثبتها على المقتضيات اللغوية، ثم إذا سألنا عن الكيفية، كيف يأتي؟ كيف يجيء؟ نقول: الله أعلم، أعلمنا أن يأتي ولم يعلمنا كيف يأتي، وهذا الجواب الوارد عن مالك رحمه الله تعالى كافٍ شافٍ في سائر الصفات.