الصفحة 553 من 883

{ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} قال الجوهري: العرش هو سرير الملك. فالعرش في اللغة عبارة عن السرير الذي للملك كما قال تعالى عن بلقيس: {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} [النمل: 23] ، فالعرش سرير ذو قوائم تحمله الملائكة، وهو كالقبة على العالم وهو سقف المخلوقات. قال البيهقي رحمه الله تعالى: اتفقت أقاويل أهل التفسير على أن العرش هو السرير، وأنه جسم خلقه الله تعالى، وأمر ملائكته بحمله، وتعبدهم بتعظيمه والطواف به، كما خلق بيتًا في الأرض وأمر بني آدم بالطواف به واستقباله، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة صفة عرش الرحمن جل وعلا وإحاطته بالسماوات والأرض وما بينهما وما عليهما، وهو المراد هنا. يعني العرش المراد به عرش الرحمن الذي جاءت النصوص بتفسيره وبيان مكانته وعظمته وإحاطته بالخلق.

وأما من فسَّر عرش بالْمُلْكِ كما مرَّ معنا في آية الكرسيّ، وقلنا: هذا قول باطل. ونسبته إلى ابن عباس هو كذلك قول باطل.

وقد اختلف العلماء في السابق بالخلق، هل هو العرش أو القلم؟ قولان لأهل العلم، والخلاف سائغ في هذه المسألة.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى:

والناس مختلفون في القلم الذي ... كُتِبَ القضاء به من الديان

هل كان قبل العرش أو هو بعده ... قولان عند أبي العلا الهمذاني

والحق أن العرش قبلُ ...

والحق أن العرش قبلُ ..

يعني قبل خلق القلم، خلق العرش أولًا ثم خلق القلم.

والحق أن العرش قبل لأنه ... قبل الكتابة كان ذا أركان

وكتابة القلم الشريف تعقبت ... إيجاده من غير فصل زمان

أفادت الآيات أو الآية السابقة إثبات الاستواء على العرش استواء يليق بجلاله جل وعلا، وتضمنت إثبات العلو لله عز وجل، عندنا العلو نوعان:

-علو عام، وهو على سائر المخلوقات، وهذه سيذكرها المصنف فيما يأتي من الآيات.

-وعندنا علو خاص، وهو العلو على العرش. {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} قلنا: الاستواء بمعنى العلو، يأتي معنا إثبات العلو، ما الفرق بينهما؟ نقول: عندنا إثبات لله عز وجل صفتان من العلو: علو عام على سائر المخلوقات، وعلو خاص على العرش. إذًا لا تنافي بينهما خاص وعام، حينئذٍ آيات الاستواء تدل على العلو، أليس كذلك؟ وآيات العلو لا تدل على الاستواء إلا بنصٍّ خاص، وجاءت النصوص به، إذًا أفادت إثبات العلو لله تعالى.

وأفادت أن الاستواء صفة فعلٍ، لماذا صفة فعلٍ؟ لأنه لم يكون ثم كان. لأنه خلق السماوات والأرض وما بينهما ثم استوى على العرش. إذًا قلنا: ثم استوى دلت على أن أن ما بعد ثُمَّ لم يكن ثم كان، إذًا خلق السماوات والأرض ولم يكن، هكذا نُثْبِت، لا تخف، لم يكن مستويًا على عرشه، ثم بعد أن خلق السماوات والأرض استوى على العرش.

وأفادت أن الاستواء خاص بالعرش.

وأفادت أن العرش مخلوق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت