وقد ثبت أن العرش مخلوق عظيم ذو قوائم وله حملة، خلافًا للمبتدعة الذين يُنفون وجود العرش، ويقولون: عرشه ملكه، ينسبون ذلك لابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فعلى قول هؤلاء المبتدعة يكون قوله تعالى: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} [الحاقة: 17] معناه ويحمل ملك ربك، وهذا قول باطل مردود، يحمل ملك ربك ثمانية، نقول: هذا قول باطل، والصواب أن العرش مخلوق وهو جسم وله قوائم. قال المصنف رحمه الله تعالى: وقال في سورة يونس - يعني الله عز وجل: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [يونس: 3] القول فيها كالقول في آية الأعراف سِيَّان هما سِيَّان - انتبه لقوله: {ثُمَّ اسْتَوَى} لم يكن ثم استوى -. وقال في سورة الرعد: {اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} ... [الرعد: 2] ، {اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} أي رفع السماوات بغير عمدٍ بل بإذنه جل وعلا وتسخيره، رفعها عن الأرض بعدًا لا يُنَالُ ولا يُدْرَكُ، يعني مداها كما في الحديث إن بُعْدَ ما بين السماء والأرض خمس مائة عامٍ وكذلك بُعْدُ ما بين السماوات [1] . وجاء عن بعض السلف: أن ما بين العرش إلى الأرض مسيرة خمسين ألف سنة، وبُعد ما بين قطريه خمسون ألف سنة، وهو من ياقوتةٍ حمراء، كذا قيل. لكن المراد هنا ماذا؟ أنه رفع السماوات عن الأرض كما هو المشاهد الآن. {بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} يعني بغير عمد. العمد المراد بها الأساطيل جمع عِمادٍ، يعني ... {عَمَدٍ} (عُمُد) في بعض القراءات (عُمُد) جمع عَمُود، وعَمَدٍ جمع عِمَاد، يعني بغير أساطيل كهذه الأساطيل التي تراها {بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} أي قائمات بغير عَمَدٍ تعتمد عليه، وقيل: لها عمدٌ ولكن لا نراه. وهذا الخلاف هل هناك عَمَدٌ، يعني السماء قائمة على أَعْمِدةٍ موجودة لا نراها؟ أو أنها ليست قائمة أصالةً؟ أولًا أيهما أَبْلَغُ في الخلق؟ الثاني، أنها بغير عَمَدٍ، ما سَبَبُ الخلاف؟ سبب الخلاف قوله: {بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} ما إعراب {تَرَوْنَهَا} ؟ إن قلت: أنها جملة مستأنفة. حينئذٍ صارت ماذا؟ بلا عَمَدٍ أصالةً. قلت: مستأنفة، الكلام جديد. وإن قلتَ بأنه ترونها الجملة صفة لعَمَدٍ إذًا هي عَمَد لكنها غير مرئية. انظر الإعراب هنا. حينئذٍ نقول: سبب الخلاف هو الإعراب هذه الجملة، هل هي جملة مستأنفة أم أنها صفة؟
إن جعلتها صفة فحينئذٍ الأعمدة موجودة لكن لا نراها.
وإن قلتَ بأنه مستأنفة حينئذٍ تقول ماذا؟ أنها بلا عَمَدٍ أصالةً، وإنما هكذا خلقها الله عز وجل.
{بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} أي قائمات بغير عمدٍ تعتمد عليه، وقيل لها عمدٌ ولكن لا نراه، والأول أولى. وجملة {تَرَوْنَهَا} مستأنفةٌ، الصواب أنها مستأنفة، استشهاد على رؤيتهم كذلك، وقيل: هي صفةٌ لعمدٍ. على كلٍّ الخلاف مذكور بين أهل العلم.
(1) انظر الترمذي (5/ 403) ح 3298 ط. أحمد شاكر.