ثم قال المصنف: وقال في سورة طه: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] انظر قال {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} قَدَّم ما حَقُّه التأخير {عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} لا على غيره، ولذلك قلنا: هو علوٌ خاص ... {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} هذا لا يمنع استواؤه على غيره، لكن قَدَّمَ هنا ماذا؟ قَدَّمَ الجار والمجرور فقال {عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} أي لا على غيره. فَدَلَّ على أن هذا النوع هو إثبات لصفةٍ خاصة بالباري جل وعلا وهي علوٌ خاص. وقال في سورة الفرقان: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ} ، وقال في سورة {آلم} السجدة، {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [السجدة: 4] . وقال في سورة الحديد ( {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الحديد: 4] ) عدَّدَ المصنف هنا كما ذكرنا في سبعة مواضع لإفادة أنها نصٌّ، لا نقول: كالنص، وإنما هي نصٌّ بمعنى أنها لا تحتمل إلا المعنى الظاهر، فلو ادَّعَى مُدَّعٍ بأن {اسْتَوَى} في لسان العرب يُستعمل لمعانٍ عدة، قلنا: وإن سلمنا. فالمعنى الظاهر المتبادر هو العلو والاستقرار، إجماع السلف على ذلك دلّ على بطلان - لا نقول على مرجوحية، لو قلت على مرجوحية سَوَّغْتَ الخلاف - وإنما نقول: دل إجماع السلف على بطلان حمل اللفظ على مرجوحاته. واضح؟ {اسْتَوَى} لو سَلَّمْنَا يحكون أربعة عشرة معنًى أو خمسة عشرة معنًى في لسان العرب ولذلك بعضهم حكا هذه المعاني قال: والله أعلم بمعنى {اسْتَوَى} الْتُبِسَتْ عليه صار لفظًا مُشْتَرَكًا. نقول: إِنْ سَلَّمْنَا بهذه المعاني وكانت متضاربة نقول: المعنى الْمُرَجَّح الظاهر هو العلو والاستقرار. هذه المعاني الْمَرْجُوحة قبل الإجماع، يُمْكِنُ نُسَمِّيها ماذا؟ بأنها مَرْجُوحَة، لكن بعد الإجماع نقول: هذه باطلة ولا يجوز حمل اللفظ عليها البتة، ولذلك بَدَّعَ - إِنْ لم نَقُلْ يُكَفَّر - بَدَّعَ السلف مَنْ حمل اللفظ على غير ظاهره هنا، وإن كان ثَمَّ مَنْ يَدَّعِي بأن أقوال يُحْمَل عليها اللفظ في لسان العرب، بَدَّعَهُ لماذا؟ لأنه اللفظ هنا لا يحتمل إلا ظاهره، لو قلنا بأنه يمكن حمله على مرجوحه لقلنا هنا: لا يجوز التبديع. لا يجوز التبديع لماذا؟ لأن الخلف صار سَائِغًا، وإذا ساغ الخلاف في الجملة حينئذٍ لا يُبَدَّع يُفَسَّق، وإنما نحكي الخلاف في المسألة والقولان، والصحيح أنه بمعنى العلو والاستقرار، [وهذا] وهذه طريقة باطلة لا يجوز التعويل عليها البتة.
هذه الآيات فيها دلالة واضحة على إثبات الاستواء على العرش، وأنه استواءٌ حقيقة يليق بجلاله وعظمته، وفيها دليلٌ على إثبات العرش، وأنه مخلوق، والرد على من وعم أن معنى العرش ملك، وهذا العرش كذلك في التكرار هنا يدل على هذا المعنى، يعني لو كان يحتمل الْمُلْك كونه يأتي به الباري جل وعلا في سبعة مواضع ولا يُقَيَّدُ في موضعٍ ما حينئذٍ نقول: هذا نصٌّ في أن العرش المراد به هنا العرش المخلوق، وليس المراد به الْمُلك.