الصفحة 558 من 883

قال رحمه الله تعالى: وقوله: ( {يَا عِيسَى إنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إلَيَّ} [آل عمران: 55] . {بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ} [النساء: 158] ) ذكر آيتين. {إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 55] هذه سورة آل عمران ( {بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ} ) هذه في سورة النساء. قوله: ( {يَا عِيسَى إنِّي مُتَوَفِّيكَ} ) ، ( {إنِّي مُتَوَفِّيكَ} ) . قال أبو زيد: ( {مُتَوَفِّيكَ} ) قابضك. وقال في (( الكشاف ) ): مستوفي أجلك. ومعناه أني عاصمك من أن يقتلك الكفار ومؤخرٌ أجلك إلى أجلٍ كتبته لك. يعني لم يُحْمَلْ على الوفاة الحقيقية التي هي مفارقة الروح للبدن، هذه لا يحمل، يأتي اللفظ بمعنى ماذا؟ بمعنى مفارقة الروح للبدن، وهذا يكاد أن يكون هو الأصل في معناه، لكن هل يحمل اللفظ هنا على هذا المعنى أو لا؟ الجواب: لا. لماذا؟ لأن الأدلة الدالة عندنا قرينة صارفة وإلا لو لم يرد بأن عيسى يَنْزِلُ في آخر الزمان حكمًا عدلًا لقلنا اللفظ على ظاهره، وهذا الوفاة يعني مفارقة الروح للبدن، لكن لَمَّا دلت الأدلة وهي متواترة أن عيسى عليه السلام من أشراط الساعة الكبرى أنه ينزل في آخر الزمان وأنه حيٌّ، ودل ذلك على أن الوفاة هنا ليس المعنى منها مفارقة الروح للبدن. ولذلك حمله الناس هنا والعلماء والمفسرون على معانٍ مفارقةٌ لهذا المعنى. قال: (ومعناه إني عاصمك من أن يقتلك الكفار ومؤخرٌ أجلك إلى أجلٍ كتبته لك، ومميتك حتف أنفك لا قتلًا بأيديهم. هكذا قال الزمخشري في(( الكشاف ) ). قال الشوكاني: وإنما احتاج المفسرون إلى تأويل الوفاة بِمَا ذُكِر لأن الصحيح أن الله رفعه إلى السماء من غير وفاةٍ، فقد صَحَّ في الأخبار عن النبي ع - وسيأتي ذكرها أو بعضها - نزوله وقتله الدجال. فدلّ ذلك على أن الوفاة ليس المراد بها الوفاة الحقيقية مفارقة الروح للبدن. وقيل: المراد بالوفاة هنا النوم. ومثله قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ} [الأنعام: 60] أي يُنِيمكم دلّ ذلك بـ، أو قال به كثير من أهل التفسير، وأما الوفاة الحقيقية فهذه تُنْفَى هنا في هذا الموضع. قال هنا: ( {يَا عِيسَى إنِّي مُتَوَفِّيكَ} ) أي قابضك من الأرض ورافعك إِلَيَّ من غير موتٍ، من قولهم توفيت الشيء واستوفيته إذا قبضته وأخذته تامًا. والتَّوَفِّي الاستيفاء هنا في هذا الموضع. وهو يصلح لتوفي النوم ولتوفي الموت الذي هو فراق الروح البدن. يعني يحتمل المعاني الثلاث. بل لو قيل: إن ظاهره هو مفارقة الروح للبدن لكان هو الأصل، لكن لا يُحمل على هذا المعنى، بل يُحمل على المرجوحٍ - إن صح التعبير - لدليلٍ وقرينةٍ صحيحة فحينئذٍ يكون تأويلًا صحيحًا، ولم يذكر القبض الذي هو قبض الروح والبدن جميعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت