الصفحة 559 من 883

والصواب الذي عليه المحققون أن عيسى عليه السلام لَمْ يَمُتْ بِحِيث فارقت روحه بدنه، بل هو حَيٌّ مع كونه تُوِفِّيَ ( {وَرَافِعُكَ إلَيَّ} ) أي رفعه الله سبحانه إلى السماء وهو حيٌّ كما قال تعالى: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء: 159] يعني موت عيسى عليه السلام {قَبْلَ مَوْتِهِ} أي موت عيسى عليه السلام. إذًا دل ذلك على أنه لم يمت. والضمير في قوله: {قَبْلَ مَوْتِهِ} عائد إلى عيسى وذلك حين ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة، وهو من علامات الساعة الكبرى. ونزول عيسى ثابتٌ.

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله ع: ( «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حَكَمًا عَدْلًا مُقْسِطًا» ) . يعني لا ينزل نبيًّا رسولًا وإنما يَنْزِلُ حَكَمًا عَدْلًا، ( «فيكسر الصليب» ) فهو من أمة محمدٍ ع، أليس كذلك؟ لأنه لم يكن ثم نبيٌّ بعد محمدٍ عليه الصلاة والسلام. إذًا نَزل حكمًا مقسطًا عدلًا، ويرد السؤال هنا: من أفضل أمة محمدٍ ع؟ يُطلق بعد أهل العلم على أنه أبو بكرٍ الصديق وهو حقٌّ، لكن يجب تقييده بأنه باعتباره أول الأمة أبو بكرٍ، وباعتبار آخرها فعيسى عليه السلام، أن عيسى لا شك أنه لم يَنْزِل نبيًّا لكنه كان في وقتٍ من الأوقات نبيًّا، وأبو بكرٍ لم يكن في وقتٍ من الأوقات أنه نبي فحينئذٍ لا يكون أفضل ممن كان نبيًّا وسُلِبَتْ عنه النبوة، حينئذٍ يأتي التفصيل أن أبا بكرٍ رضي الله تعالى عنه أفضل الأمة في أولها، وعيسى عليه السلام في آخرها فيأتي التفصيل، وأما إذا أريد الإطلاق فأفضل الأمة مَنْ؟ عيسى عليه السلام، أليس كذلك؟ إذا أردنا الإطلاق مطلقًا باعتبار الأول والآخر نقول: عيسى عليه السلام لأنه كان نبيًّا، ثم نُزِعَت منه وهو كذلك. قال هنا: ( «فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحدٌ» ) ، وفي رواية ( «حتى تكون السجدة الواحدة خيرٌ من الدنيا وما فيها ثم يقول: أقرؤوا إن شئتم {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} » ) وذلك عند نزوله في آخر الزمان كما وردت في ذلك الأحاديث المتواترة. وهذا يجعل نصًّا كذلك أو دليلًا وقرينة للدلالة على أن قوله: ( {إنِّي مُتَوَفِّيكَ} ) ليس المراد به الوفاة الحقيقية وهي قبض الروح ونزعها عن البدن.

في هذه الآية إثبات الكلام لله سبحانه، وجهه {إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى} ، {قَالَ} هذا قولٌ {يَا عِيسَى} هذا مقول، دل على ماذا؟ إثبات الكلام للباري جل وعلا

وفيها دليل على أن الله رفع عيسى إلى السماء وقبضه إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت