الصفحة 560 من 883

وفيهما دليل كذلك على علوه سبحانه على خلقه. قال: ( {بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ} ) ، ( {مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إلَيَّ} ) . ومعلوم أن الرفع يكون ماذا؟ من أسفل إلى أعلى، بل لا يكون إلا من أسفل إلى أعلى. فإن إلى تفيد الغاية. وقوله: ( {رَافِعُكَ إلَيَّ} ) يدل على أن المرفوع إليه كان عاليًا، وهذا يدل على علو الله عز وجل وهذا المراد هنا في هذا الموضع. ( {بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ} ) بل للإضراب الإبطال لقوله: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا} [النساء: 157] يعني لَمَّا أُلْقِيَ الشَّبه على ذلك الرجل قتلوه وهم يظنون ماذا؟ أنه قتلوا عيسى، لكن الله عز وجل نفى ذلك {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا} يعني ما قتلوا عيسى على جهة اليقين.

وهذه الآية كالآية السابقة دليلٌ على أن الله رفع عيسي عليه السلام إلى السماء وقبضه إليه.

وفيها دليلٌ على علوه سبحانه على خلقه، فإنه صريح بأن الله تعالى عالٍ بذاته ( {بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ} ) عالٍ بذاته، إذ الرفع إلى الشيء يستلزم علوه.

وهي هذه الآية والتي قبلها الرد على اليهود الذين تَنَقَّصُوهُ وجعلوه ابن زنا، والرَّدّ على النصارى الذين غَلَوْ فيه ورفعوه عن مقام النبوة إلى مقام الربوبية، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.

قال المصنف رحمه الله تعالى: وقوله: ( {إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] ) ، ( {إلَيْهِ} ) إلى مَنْ؟ إلى الله عز وجل ( {إلَيْهِ يَصْعَدُ} ) قَدَّمَ ما حقَّهُ التأخير يعني إلى الله لا إلى غيره، لأن الأصل يصعد إليه الكلم الطيب أو يصعد الكلم الطيب إليه، لكن لَمَّا قَدَّم ما حقَّه التأخير أفاد ماذا؟ أفاد القصر والحصر، فإلى الله لا إلى غيره ( {يَصْعَدُ} ) الصعود بمعنى العلو والارتفاع، ( {يَصْعَدُ} ) الصعود والارتفاع، أي يرتفع، والصعود الارتفاع هذا الأصل. قيل معنى الصعود إليه قبوله له بمعنى أنه يقبله جل وعلا، لكن هذا فيه شيءٌ من التأويل، والصواب أن رفعه على ظاهره أنه حقيقةٌ لكنه مذكور في كتب التفسير. قيل: معنى الصعود إليه قبوله له، أو صعود الكتبة من الملائكة بما يكتبونه من الصحف، والظاهر أنه يبقى على ظاهره أن الكلم الطيب يصعد بنفسه، كيفية ذلك الله أعلم، أخبرنا أنه يصعد ولم يخبرنا كيف يصعد، وهذه القاعدة ليست مقيدة بذات الباري جل وعلا، وإنما عامة بماذا؟ بالمغيبات، أليس كذلك؟

يُجْلَسُ المرء في قبره وهو ضَيِّق، كيف يجلس؟ الله أعلم.

كيف يُمَدُّ له مَدَّ البصر؟ الله أعلم.

كيف يُفْتَح له نافذة إلى النار أو إلى الجنة؟ الله أعلم.

غيبيات لا ندري، لو أردنا العقل أن يدخل في مثل هذه المجلات لأدَّى إلى ما أدَّى إليه من إنكار القبر ونحوه، وهذا باطلٌ.

إذًا هذه قاعدةٌ عامة ليست بخاصة ( {إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} ) ، ( {الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} ) بذاته يصعد، كيف يصعد؟ الله أعلم، لا نقول المراد به القبول، ولا المراد به أن الملائكة تَذْهَبُ بالصحف .. إلى آخره ( {يَصْعَدُ} ) أي يرتفع، والصعود الارتفاع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت