( {وَقَالَ فِرْعَوْنُ} ) هو ملك القبط في الديار المصرية، وفرعون لقلب لكل من ملك مصر على المشهور عند أهل العلم. قوله: ( {يَا هَامَانُ} ) . أي قال فرعون لوزيره هامان: ( {ابْنِ لِي صَرْحًا} ) . والصرح المراد به القصر العالي، أي قصرًا عاليًا مُنِيفًا، ( {لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ} ) أسباب مفرده سبب يعني جمع أفعال وسبب فَعْل، والسبب يأتي بمعنى الحبل كقوله: {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء} [الحج: 15] . بحبلٍ، ويأتي بمعنى الطريق ومنه قوله: {فَأَتْبَعَ سَبَبًا} [الكهف: 85] . ويأتي بمعنى الباب، والآية هذه منها ( {أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ} ) أي طرقها وأبوابها وما يُؤدي إليها، وكل ما أدَّى إلى شيء فهو سببٌ إليه [كالرشاد] [1] ونحوه، إذًا ( {لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ} ) هذا بدل، أليس كذلك؟ ( {لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ} ) أطلق ثم قال: ( {أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ} ) . ( {لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ} ) يعني الأبواب أيّ أبوابٍ؟ قال: أبواب السماوات، لماذا؟ ( {فَأَطَّلِعَ} ) بالنصب لقوله: ( {لَّعَلِّي} ) . ( {فَأَطَّلِعَ} ) أليس كذلك. إذا وقع في جواب التَّرَجِّي - مر معنا هذا - إذا وقع في جواب الترجي الرجاء حينئذٍ نقول: هذا من موجبات النصب، يعني أن بعد الفاء، ... ( {فَأَطَّلِعَ} ) فعل مضارع منصوب بأن مضمرةً وجوبًا بعد فاء السببية الواقعة في جواب الطلب، وهو الرجاء هنا ( {لَّعَلِّي} ) ، ( {فَأَطَّلِعَ} ) بالنصب على جواب ماذا؟ على جواب الطلب، أي أصعد، والإطلاع هو الصعود لينظر إليه، ( {لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ} ) الإطلاع هو العلو والصعود لينظر إلى شيء ما، ( {إلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا} ) أي في دعواه أن له إلهًا غيري وأنه أرسله، ففي هذه الآية وهو محل الشاهد دليل على أن موسى عليه السلام كان يقول لفرعون ربه في السماء يعني في العلو، وفرعون يظنه كاذبًا هذا هو ظاهر النص هنا فمن نفى العلو من الجهمية فهو فرعوني، ومن أثبته فهو موسويٌّ محمديٌّ أليس كذلك؟ القاعدة عامة هنا ليست محمد - صلى الله عليه وسلم - ففيها دليل على إثبات علو الله سبحانه على خلقه، وأن موسى عليه السلام أخبر أن ربه في السماء وعلو الله سبحانه على خلقه مما تواطأ على إثباته العقل والنقل، هنا ليس كالاستواء، الاستواء نقول: الدليل سمعيٌّ محض، كتاب وسنة وإجماع فقط، وأما هنا فنزيد على هذا العقل والفطرة فهي خمسة أدلة تدل على إثبات علو الباري جل وعلا، ولذلك من أنكر العلو الذاتي فهو كافر. قال هنا: وعلو الله سبحانه على خلقه مما تواطأ على إثباته العقل والنقل، وفطر الله عليه الخلق، وأدلة إثبات العلو كثيرة جدًّا تزيد على ألف دليل كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى، القرآن كله من أوله إلى آخره يدل على علو الباري جل وعلا، وأدلة إثبات العلو كثيرة جدًّا تزيد على ألف دليل، قيل لعبد الله بن مبارك رحمه الله: كيف نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق السماء السابعة على العرش بائن من خلقه.
(1) تفسير مفاتح الغيب (27/ 58) .