إذًا قوله هنا: أجمع المسلمون من أهل السنة، أهل السنة أراد به المتمسكين بالسنة واجتمعوا على هذا المعنى أجمعوا على ماذا؟ على أن الله استوى على عرشه، وهذا إجماع قطعي، استوى على عرشه على الحقيقة لا على المجاز لأنه هو الأصل، ثم ساق بسنده عن مالك قال: الله في السماء وعلمه في كل مكان. ثم قال - وسيأتي هذا بحثه إن شاء الله تعالى - ثم قال في هذا الكتاب: أجمع المسلمون من أهل السنة أن معنى قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} [الحديد: 4] . يعني إذا أثبتنا العلو لا تناقض بينه وبين إثبات صفة المعية، فهو عالم بذاته جل وعلا مستوٍ على عرشه حقيقةً وهو معنا بعلمه في كل مكان، لا يخلو مكان عن علمه فهو مطلع على العباد يسمع كلامهم ويرى مكانهم، حينئذٍ نقول: هذا وذاك لا تناقض بينهما، العقل لا يمنع، وما دام أن النص جاء بذلك وجب القبول لأن المتكلم واحد وهذا حقٌّ وهذا حق، والحق لا يُناقض الحق فإن وجد تناقض فهو لفساد عقل الناظر، وأما الحق فلا يتناقض البتة، ولذلك [ذكروا هذا الموضع في هذا] ذكروا هذا المعنى في هذا الموضع. قال: أجمع المسلمون من أهل السنة أن معنى قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} . ونحو ذلك من القرآن أن ذلك علمه، وأن الله فوق السماوات بذاته مستوٍ على عرشه كيف شاء هذا لفظه في كتابه، وهذا كثير في كلام الصحابة والتابعين والأئمة أثبتوا ما أثبته الله في كتابه على لسان رسوله على الحقيقة فيما يليق بجلاله وعظمته ونفوا عنه مشابهة المخلوقين ولم يمثلوا أو يعطلوا.
قال المصنف رحمه الله تعالى: وقوله: ( {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ} [الملك: 16، 17] ) .
( {أَأَمِنتُم} ) هذا تخويف من الله جل وعلا يخوف عباده عمومًا أو الكفار على جهة الخصوص، ( {أَأَمِنتُم} ) قال الواحدي هنا: ( {أَأَمِنتُم} ) هذا مأخوذ من الأمن وهو ضد الخوف، ( {مَّن فِي السَّمَاءِ} ) المراد به عقوبة من في السماء كما حكاه الواحدي عن المفسرين، يعني عقوبة من في السماء ( {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ} ) كَنَّى عن نفسه جل وعلا بكونه في السماء وسيأتي المراد بـ (في) هنا، وأراد بذلك ماذا؟ أراد به العقوبة بدليل قوله: ( {أَأَمِنتُم} ) . والأمن ضد الخوف، ( {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ} ) أي أأمنتم عقاب من في السماء وهو الله جل وعلا إن عصيتموه، وكَنَّى عن نفسه بهذا لأن المقام مقام إظهار عظمته وأنه فوقكم قادر عليكم مصيطر عليكم مهيمن عليكم لأن العالي له سلطة على من تحته، وهذا عند أهل السنة والجماعة على أحد وجهين: يعني ( {مَّن فِي السَّمَاءِ} ) ما المراد ( {السَّمَاءِ} ) ؟ لو قال قائل بأن ظاهره المراد به أن الله تعالى في السماء يعني السماء محيطةٌ به فهو داخل فهذا باطل، ليس هذا المراد وهذا محل إجماع والعقل يأبى ذلك، حينئذٍ ما التخريج لنا طريقان:
-إما أن نقول بأن (في) هنا بمعنى على وهو مستعمل في لسان العرب ( {مَّن فِي السَّمَاءِ} ) يعني من على السماء.