الصفحة 573 من 883

فهو سبحانه موصوف بالنوعين كما مر معنا، وقد جمعهما في هذه الآية ( {خَلَقَ} ) ، ( {اسْتَوَى} ) . وفي الآية كذلك بيان أن الخلق غير المخلوق لأنه قال: ( {خَلَقَ السَّمَوَاتِ} ) . السماوات إيش إعرابه هنا؟ مفعول به، ولا شك أن المفعول غير الفعل وغير الفاعل، كما يقال ضَرَبْتُ زَيْدًا، فـ (زيدًا) هذا غير الضارب وغير الضرب، لأن عندنا عامل وعندنا فاعل مُحْدِثٌ لهذا الحدث وعندنا محلٌّ يعني محل وقوع الحدث ضَرَبْتُ زَيْدًا ( {خَلَقَ السَّمَوَاتِ} ) السماواتِ هذا فيها قولان للنحاة هل هو مفعول مطلق أو مفعول به، على كلٍّ منهما نقول: السماوات مخلوق، والفاعل فاعل الخلق هو الله، والفاعل غير المفعول. إذًا فيها بيان أن الخلق غير المخلوق لأن نفس خلقه السماوات والأرض غير السماوات والأرض، فالفعل غير المفعول، وهذا من جهة القواعد النحوية، وفيها دليل كذلك على مباينة الرب سبحانه لخلقه، يعني خلق الخلق ولم يخلقهم في ذاته هو جل وعلا خلق الخلق ثم استوى على العرش، ولذلك صرح بعضهم من أهل السنة والجماعة من باب الرد على المخالفين بائن من خلقه يعني البينونة الانفصال، منفصل عن خلقه ليدل على أنه ليس مختلطًا، ( {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} ) كما سيأتي لا يقتضي الاختلاط، فحينئذٍ جاءت العبارة بائن من خلقه، وهذا إنما يكون في مقام الرد على المخالفين، إذًا فيها دليل على مباينة الرب سبحانه لخلقه، فإنه لم يخلقهم في ذاته، بل خلقهم خارجًا عن ذاته، ثم بان عنهم يعني انفصل باستوائه على عرشه، وهو يعلم ما هم عليه فيراهم وينفذ بصره فيهم، ويحيط بهم علمًا وقدرةً وإرادةً وسمعًا وبصرًا، وهذا معنى قوله أو كونه معهم أين ما كانوا، ( {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} ) سبق بيان هذه الجملة، وفيها بيان عموم علم الباري جل وعلا وإثبات صفة العلم وأنه يعلم الكليَّات والجزئيَّات وكذلك يتعلق علمه بالممكنات المستحيلات والواجبات، [ويتعلق علمِهِ] ويتعلق علمُهُ بما يفعله هو جل وعلا وكذلك بما يفعله العباد مر معنا مرارًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت