الصفحة 574 من 883

قوله: ( {وَهُوَ مَعَكُمْ} ) . وهو الشاهد هنا في هذا الموضع ( {مَعَكُمْ} ) بعلمه هكذا فسرها السلف، يعني المعية هنا تُفسر بالعلم، وهذه المعية العامة، ( {وَهُوَ مَعَكُمْ} ) أي معكم بعلمه، وقد حكى غير واحدٍ من السلف الإجماع على أن المراد بهذه يعني هذا النص الذي معنا ( {مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} ) المراد به معية العلم، ولا شك في إرادة ذلك فعلمه بهم وبصره نافذ فيهم، يعني ليس المراد العلم فحسب، وإنما المراد به الإحاطة بهم علمًا وبصرًا وسمعًا وقدرةً، كل ما لا يختص بأوليائه جل وعلا فحينئذٍ تكون المعية فيه عامة، تقتضي العلم وتقتضي السمع والبصر والقدرة ونحو ذلك، فالإحاطة دل عليها اللفظ بقوله: ( {وَهُوَ مَعَكُمْ} ) . وإنما يذكرون العلم من باب الاختصار فحسب، يعني العلم ولا ينفي ذلك أن يكون معهم ببصره ويراهم وكذلك بسمعه يسمعهم، وكذلك قادرًا عليهم، وهذا لا يمنع، وحينئذٍ نقول: معكم بعلمه وما يتعلق بعموم صفاته بخلقه جل وعلا، فعلمه بهم وبصر نافذ فيهم فهو سبحانه مُطَّلِعُ على خلقه لا يغيب عنه من أمورهم شيء، فإن (مع) حينئذٍ لماذا فسرنا (مع) بأنه بالعلم وليس مختلطًا بينهم؟ لأنه لا يلزم، يعني مع في لغة الغرب لا توجب الاختلاط والمزج، لا توجب كما سيأتي في فصل خاص بهذه المسألة سيعقده شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وعَبَّر بأنها لا توجبه، ولم يقل لا تقتضيه لأنها قد تقتضي، يعني المعية قد تقتضي الامتزاج والاختلاط وقد لا تقتضي، فليس لازمًا كلما قيل (مع) حينئذٍ اقتضى الامتزاج أو المخالطة، لا، حينئذٍ نقول: هذا اللفظ ( {وَهُوَ مَعَكُمْ} ) لا يقتضي الامتزاج والاختلاط، وإنما المراد به العلم والسمع والبصر والإحاطة التامة بالخلق، إذًا (مع) في لغة العرب لا تُوجب - بعضهم يعبر لا تقتضي - وهذا فيه نظر، لأن الاقتضاء بمعنى أنها تدل على الشيء تُوجب بمعنى أنها تتعين، وفرق بين أن نقول: (مع) توجب الاختلاط، وبين (مع) تقتضي الاختلاط، الثاني صحيح والأول ليس بصحيح، إذا قيل بأنها توجب الاختلاط والمزج بمعنى أنه ليس لها معنى إلا ذلك، وهذا غلط، وإذا قيل بأنها تقتضي أو من مقتضياتها الاختلاط والامتزاج نقول: هذا صحيح، ولذلك يقول: مَزَجْتُ الْمَاءَ مَعَ اللبَنِ. أليس كذلك؟ هذا حصل فيه اختلاط أو لا، دلت المعية هنا وإن كان الفعل يُساعد على ذلك وهو المزج لكن كذلك (مع) هنا أفادت الاختلاط والامتزاج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت