الصفحة 575 من 883

إذًا من معانيها التي تقتضيه (مع) الامتزاج والاختلاط، لكن هل هذا يتعين في كل موضع؟ الجواب: لا، إذًا (مع) في لغة العرب لا توجب أن يكون أحد الشيئين مختلطًا بالآخر، وهذا محل وفاقٍ بين أهل اللغة، ولا عبرة بما يذكره بعض المخالفين بعض أهل البدع في هذه المسألة، وإنما العبرة بالمرجع إلى لسان العرب بذاته، والنقل حينئذٍ يحتاج إلى دليل، ليس كل ما نقل شيءٌ حينئذٍ سلمنا به لا نقول: ما دليلك في هذه المسألة؟ كما نقول: الأحكام الشرعية لا تثبت إلا بدليل، كذلك الأحكام اللغوية لا بد من دليل، والدليل ما هو هنا؟ النقل عن العرب، حينئذٍ إن نُقِلَ نَقْلًا صريحًا سَلَّمْنَا به، إن كان المجال مجال استنباط حينئذٍ اختلفت الفهوم هنا فنقول: الفهم المحكم هو فهم الصحابة في ذلك لأنهم حجة في فهم لسان العرب.

إذًا (مع) لا تقتضي نقول: هذا فيه نظر كما عبر الشارح هنا. لا توجب أن يكون أحد الشيئين مختلطًا بالآخر كقوله سبحانه: {اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119] . كونوا مع الصادقين أنتم كونوا مع الصادقين، الصادقين هذا يصدق على أشخاص، صادق هذا شخصٌ اتصف بماذا؟ بصفة الصدق، كونوا معهم بمعنى ماذا ادخلوا في أجسادهم اختلطوا بهم؟ لا، المراد ماذا؟ كونوا معهم بقرب الجسد بالجسد أو العمل بالعمل، ولا يقتضي الامتزاج بهم من كل وجه، وهذا إذًا دليل واضح بأن (مع) في لسان العرب وأشد ما تثبت به القواعد اللغوية هو القرآن الكريم، لا نقول: القرآن الكريم لا تثبت به القواعد لا النحوية ولا اللغوية ولا التصريفية ولا البيانية، بل أشد ما يتمسك به في إثبات هذه القواعد هو القرآن، وقد نزل بلسان عربي مبين، {اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ} وجاءت المعية في القرآن وكذلك في السنة جاءت عامةً وخاصة، يعني تنقسم إلى قسمين:

معية عامة، ومعية خاصة.

والدليل هو الاستقراء ما جاء قوله جل وعلا: ( {وَهُوَ مَعَكُمْ} ) . معية عامة ومعكم معية خاصة ما جاء هكذا، وإنما نظرنا إلى السياق فوجدنا أن (مع) قد تطلق حينئذٍ تشمل المؤمن والكافر والبر والفاجر .. إلى آخره، ووجدنا أنه عَلَّقَ بعض [لفظَ (مع) ] عَلَّق بعض لفظِ مع (على) وصف خاص، إما وصف وإما شخص {إِنَّنِي مَعَكُمَا} [طه: 46] هذا لموسى وهارون، {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا} [التوبة: 40] هذا بشخصٍ، أو قال: {أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} ، {لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69] ... إلى آخره، حينئذٍ وجدنا بهذا التقلبات في الصياغ العربي وجدنا أن المعية تستعمل ويراد بها الإطلاق العام فتشمل الكافر، ووجدنا أن المعية كذلك تطلق ويراد بها بعض أولياء الباري جل وعلا حينئذٍ لا بد من التقسيم.

إذًا تنقسم المعية إلى نوعين:

معيةٍ عامة، ومعيةٍ خاصة.

إن قال قائل: أنتم قلتم على الله تعالى، تقولون: لا نصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه. ونقول هنا: وصفنا الباري جل وعلا بما وصف به نفسه، لكن وجدنا باختلاف العبارات في القرآن أن المعية عُلِّقَتْ - يعني: لها محلٌ - عُلِّقَتْ بعامٍ، وعُلِّقَتْ بخاص، فحينئذٍ دليل الاستقراء والتتبع أو التتبع والاستقراء نقول: هذا حجة. والحجة يجب العمل بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت