إذًا تنقسم إلى قسمين: معيةٍ عامة، ومعيةٍ خاصة.
فالعامة كما في هذه الآية قال: ( {وَهُوَ مَعَكُمْ} ) . ( {خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ} ) ، ثم قال: ( {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ} ) ، ثم قال: ( {وَهُوَ مَعَكُمْ} ) خَصَّ مَنْ؟ خَصَّ أحدٌ دون أحد؟ أو أنه عامٌ لكل المخلوقات؟ عامٌ لكل المخلوقات، فحينئذٍ كونه قال: ( {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} ) هذا فيه إطلاق فيه عموم ( {أَيْنَ مَا كُنتُمْ} ) ، ( {أَيْنَ} ) هذه من ألفاظ العموم وتفيد العموم في ماذا؟ في الأمكنة، يعني لا يختلف مكانٌ عن مكانٍ، ما من مكانٍ إلا والله تعالى معنا، معنا بماذا؟ بعلمه قررنا فيما سبق أن المعية تُفَسَّر بالعلم. إذًا هذه الآية التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وهي آية الحديد تدل على إثبات المعية العامة حيث ذكر فيها عموم علمه حيث قال: ( {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ} ) هذا فيه عموم العلم، وختمها بالعلم ( {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} ) ومر معنا أن بصير له معنيان: البصر الذي هو الرؤية، ويأتي بصير بمعنى خبير الذي هو أخَصّ من العلم.
إذًا بصير يعني عليم يُحمل على المعنيين، قلنا: البصير في لسان العرب يأتي بمعنيين، ويجب حمل اسم الباري جل وعلا البصير على هذين المعنيين، لأنه إذا أُطْلِقَ وكان له معانٍ مختلفة ولا تنافي بين المعاني وجب حمل اللفظ على جميع المعاني.
إذًا ذكر عموم العلم في أول الآية، ثم ختمها بالعلم فدل على أن المراد بالمعية هنا وهي ما أكتنفه هذان اللفظان ( {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} ) يعني بعلمه، ويزاد عليه ببصره وسمعه وقدرته، فدل على أنه معهم بالعلم، ولهذا قال ابن عباس والضحاك وسفيان وأحمد والثوري: وهو معهم بعلمه. فسروا المعية هنا بالعلم.
أما المعية الخاصة فكقوله: ( {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} [النحل: 128] ) فذكر وصفين، وهو التقوى، ومن تحلى بالتقوى الذين هم المتقون، يعني ليس مع التقوى وإنما مع أصحاب التقوى، أليس كذلك؟ مع المتقين يعني مع الأشخاص وليس مع الوصف، وكذلك قال: ( {وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} ) محسنون جمع محسن، ومحسن هذا اسم فاعل بمعنى أنه يتضمن شخصًا ذاتًا فكل اسم فاعلٍ يدل على ذاتٍ ووصفٍ، فالله تعالى مع هؤلاء الأشخاص الذين اتصفوا وحملوا هذه الأوصاف العظيمة وهي التقوى والإحسان فهو مع المتقين.