والخبر العام يعني: به المعية العامة، لو لنا قلنا: معهم بذاته. إذًا لا يخلو مكان عن ذاته - تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا -. فإذا كان كذلك حينئذٍ ما وجه المعية [العامة] الخاصة؟ ليس لها وجه، تناقضان، لأن النص يدل على ماذا؟ على أنه ليس مع الظالمين، وأنت تقول بأنه بالمعية العامة أنه في كل مكانٍ. إذًا في المكان الذي فيه الظالم، إذًا لم ينفك الظالم عن معية الباري جل وعلا حصل تناقض بين الدلالتين، فما يُثبته اللفظ العام يَنفيه اللفظ الخاص، ولا يمكن الجمع بينهما. إذًا دعوى أن الله تعالى مع خلقه بذاته في كل مكانٍ يجعل الأخبار متناقضة، يعني الأخبار أعني بها الآيات الدالة على المعية العامة لأنهم فسروها بماذا؟ بأنها تقتضي أن الله تعالى في كل مكانٍ بذاته. إذًا يكون مع الظالم ومع الفاجر، والآيات الدالة على المعية الخاصة تدل على أنه ليس مع الظالم فكيف يكون مع الظالم وليس الظالم؟ فحصل تناقض بينهما. ولذلك قال: فلو كان معنى المعية أنه في كل مكان بذاته لتناقض الخبر الخاص يعني آيات المعية الخاصة والعام، يعني آيات المعية العامة لأنه سيكون مع الظالمين وغير المحسنين وغير المتقين، ودل النص على أنه ليس معهم، دل النص بالمفهوم أنه ليس معهم، بل المعنى أنه مع هؤلاء يعني المتقين والمحسنين بنصره وحفظه وتأيده دون أولئك. يعني ما يقابل المتقين والمحسنين. وقد أخبر في هذه الآية وغيرها أنه سبحانه مع خلقه مع كونه مستويًا على عرشه. يعني قال: ( {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} ) ثم قال: ( {وَهُوَ مَعَكُمْ} ) نثبت ما أثبته الباري جل وعلا فنقول: مستوٍ على عرشه عالٍ على خلقه بما تقتضيه هذه الكلمة من معانها الثلاث: القدر، والقهر، والذات. وهذا الذات هنا هو الذي يعنى به في هذا الموضع فحينئذٍ نقول: هو عالٍ على عرشه، وهو معنا كذلك بعلمه، ومع أوليائه بنصره وتأيده، هل بينهما تعارض؟ الجواب: لا. لأن العقل يُدرك أنه لا أحد أعلم من الباري جل وعلا من نفسه، فقد أخبر بذلك عن نفسه، فحينئذٍ كل منهما حقٌّ، والحق لا يتناقض ولا يتعارض. فإن وقع شبهةٌ ما فحينئذٍ لفساد التصور في ذهن الناظر، حينئذٍ أخبر في هذه الآية كغيرها أنه سبحانه مع خلقه مع كونه مستويًا على عرشه، وقرن بين الأمرين كما في هذه الآية حيث قال: ( {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ} ) الآية. فأخبر أنه استوى على عرشه وأنه مع خلقه يبصر أعمالهم من فوق عرشه كما في حديث الأوعال - وقلنا: حديث الأوعال فيه ضعفٌ لكن يستدل به أهل العلم لأنه من حيث المعنى ثابتٌ - وكذلك كما في حديث الأوعال فَعُلُوُّه سبحانه لا يُناقض معيته، ما الدليل، الدليل هكذا تقرره أن الذي أخبر بالعلو هو الباري جل وعلا، والذي أخبر بأنه معنا هو الباري جل وعلا، وكلّ من الخبرين حقٌّ، والحق لا يتناقض ولا يتعارض، هكذا نقرر الدليل، فكلّ منهما حقٌّ والحق لا يتعارض ولا يتناقض، لا من حيث الدلالة المطابقة ولا التضمن ولا الالتزام، فليس ثم لوازم باطلة تلزم القول بكونه مستوٍ على عرشه وكونه معنا جل وعلا بعلمه ونصره وتأيده.