قوله: ( {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إلَّا} ) ، ( {مَا} ) نافيةٌ، و ( {إلَّا} ) هذه إيجابٌ، و ( {يَكُونُ} ) بمعنى يُوجد حينئذٍ تكون تامة كان تامة، يعني تقتضي أو تطلب فاعلًا وليس لها اسم ولا خبر، ليست كان، كان زيدٌ قائمًا وإنما تُفسر بوَجَدَ {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} [البقرة: 208] يعني وجد وحصل ذو عسرةٍ، فعلٍ وفاعل كما تقول: قام زيدٌ. فهو فعلٌ تام، هنا فاعلها قوله ماذا؟ ( {مِن نَّجْوَى} ) هذا فاعل كيف ( {مِن نَّجْوَى} ) فاعل ودخلت عليه ( {مِن} ) ؟ نقول: هنا ( {مِن} ) في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي وحينئذٍ يكون دخول ( {مِن} ) من قبيل التأكيد، كنصّ في العموم. إذًا ( {نَّجْوَى} ) هذا فاعل مرفوع ورفع ضمة مقدرة، وضمة مقدرة وهنا لا يُقال بأنه منع من ظهورها اشتغال المحل لأنه تقدير الكسرة هنا مُقَدَّرَة ( {مِن} ) وهي حرفٌ زائد يقتضي ماذا؟ يقتضي إحداث كسرة فيما دخلت عليه، وهذه الكسرة ليست أصلية، ولذلك تُقدر، ومر معنا مرارًا كقوله كذلك في الفاعل {مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ} ... [المائدة: 19] مثل ( {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى} ) لكن من نجوى الكسرة لا تظهر، {مِن بَشِيرٍ} الكسرة هذه ليست أصلية باعتبار ماذا؟ باعتبار المحل الذي يقتضيه السياق، لأن جاء يقتضي فاعلًا، وبشيرٍ من حيث المعنى هو الفاعل، لكنه لم يرفع، لماذا؟ لم يُرفع لا من حيث المعنى أو المحل وإنما لم يرفع ظاهرًا، حينئذٍ نقول: {مِن بَشِيرٍ} بشيرٍ هذا فاعل مرفوع، ورفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائدة، زِيدَتْ {مِن} هنا لماذا؟ لإفادة التأكيد، وتجعل النكرة أو تجعل التركيب نصًّا في العموم بعد أن كان ظاهرًا في العموم هذا من أهم ما يتعلق بهذا المبحث، كيف؟ بمعنى أن قوله: {مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ} . لو قال: ما جاءنا بشيرٌ. هكذا ما جاءنا بشير، بشير نكرة في سياق النفي ظاهرة في العموم، زيدت عليها {مِن} ، إذا أريد أن يكون نصًّا في العموم زدنا عليه {مِن} ، حينئذٍ نقول: {مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ} الفرق بينهما أن {مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ} أن ما جاءنا بشير هذا ظاهر في العموم يحتمل التخصيص، يعني هذا يمكن أن يُستثنى منه، {مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ} لا يحتمل التخصيص، لو ادَّعَى مُدَّعٍ بأن هذا النص مخصص لهذا النص لم نقبل منه، لأن هذا نص مثل ما قلنا فيما سبق في كلام شيخ الإسلام لما قال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] . في سبعة مواضع، لماذا قال: في سبعة مواضع؟ ليدل على أن هذا التكرار إن سلمنا بأن الاستواء ظاهر وله معنى مرجوح إلا أنه بهذا التكرار صار نصًّا لا يحتمل التأويل إن ادَّعَى مُدَّعٍي بأنه مؤول، واضح هذا؟ كذلك ( {مِن} ) إذا دخلت جعلته نصًّا في العموم فلا يحتمل التخصيص البتة، على كلٍّ قوله: ( {مِن} ) هنا زائدة، و ( {نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ} ) هذا فاعل، ( {مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ} ) النجوى هي الإسرار، يقال: قومٌ نجوى.