الصفحة 585 من 883

قوله يعني في العدد كونه لا مفهوم له ( {إلَّا هُوَ مَعَهُمْ} ) المراد هنا المعية العامة لأنه لم يقيده بوصف، بل أطلق عامة ما من نجوى ثلاثة، حينئذٍ نقول: هذا عام يشمل المؤمن ويشمل الكافر أقل من ثلاثة أكثر من ستة .. إلى آخره، فحينئذٍ نقول: هذه المعية المراد به المعية العامة، لماذا؟ لانتفاء الوصف الخاص والشخص الخاص، فلما انتفيا حينئذٍ رجعنا إلى الأصل وهو عموم اللفظ، ولذلك قال: ( {أَيْنَ مَا كَانُوا} ) . هذه من صيغ العموم، أليس كذلك؟ من صيغ العموم، ماذا تفيد؟ متى تفيد العموم في الأزمان؟ وما في الأشخاص غير العاقلين؟ ومن في الأشخاص العاقلين؟ وأين في الأمكنة؟ يعني العموم هنا بمعنى ماذا؟ أنه لا يخلو من علمه مكانٌ البتة، مهما بلغت الأمكنة فوق أو تحت نقول: لا يخلو من علمه البتة ففيه عمومٌ، ( {إلَّا هُوَ مَعَهُمْ} ) أي مطلع عليهم يسمع كلامهم ويعلم سرهم ونجواهم، ورسله مع ذلك تكتب ما يتناجون به مع علمه وسمعه، لأنه قد يقول قائل إذا كان يعلم لماذا تكتب الملائكة؟ {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} [الأنبياء: 23] أمر الملائكة بالكتابة، وهو يعلم بعلمه وسمعه ويرى ويبصر ونحو ذلك، حينئذٍ ظهرت لنا حكمة أو لم تظهر نقول {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} إنما نقول: سمعنا وأطعنا. قال هنا: كما قال سبحانه: ( {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزخرف: 80] ) . أثبت السمع للنجوى والرؤية وأثبت أن الرسل تكتب وهذا لا تنافي بينه البتة، فالكتابة لا تقتضي أنه لا يعلم، وعلمه لا يلزم منه أن لا يُكْتَب.

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: ولهذا حكا غير واحدٍ الإجماع على أن المراد بهذه الآية معية علمه سبحانه. يعني تفسر بالمعية العامة. ولا شك في إرادة ذلك ولكن سمعه أيضًا مع علمه بهم، وبصره نافذٌ فيهم فهو سبحانه مطلعٌ على خلقه لا يغيب عنه من أمرهم شيء، أراد ابن كثير ماذا؟ رحمه الله تعالى أراد أنه إذا قيل معهم بعلمه لا يقتضي التخصيص بهذا الوصف فحسب، ولا نقول بأنه معهم بسمعه وبصره وقدرته، لا، معهم بعلمه وسمعه وبصره هذا الذي أراده أن كثير رحمه الله تعالى.

( {ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} ) أي يخبرهم يوم القيامة بجميع أعمالهم، قال تعالى: {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49] {أَحَدًا} نكرة في سياق النفي فيَعُمّ، و {يَظْلِمُ} هذا نكرة في سياق النفي فيعم، يعني لا يقع أدى ما يطلق عليه أنه ظُلْمٌ {إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [يونس: 44] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت