الصفحة 592 من 883

ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: (وقوله تعالى: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249] ) ، ( {كَم} ) هذه خبرية، تكثير ( {كَم} ) حينئذٍ نقول: هذه تفيد الكثرة، يعني حصل وكثير ولا يعد ولا يحصى، تفيد التكثير يعني خبريةٌ تفيد التكثر، يعني فئةً قليلة غلبت فئة كثيرةً عدة مرات، أو فئاتٍ قليلةٍ متعددة غلبت فئاتٍ كثيرةً متعددة لكن لا بحولهم ولا بقوتهم، بل بإذن الله، يعني بقضائه وإرادته، أي بإرادته وقدرته، ومن ذلك أصحاب طالوت غلبوا عدوهم وكانوا كثيرين، ومن ذلك أصحاب بدرٍ غلبوا قريشًا وكانوا كثيرين - يعني قريش كانوا أكثر - ومع ذلك حصلت الغلبة لماذا؟ لكونهم أخذوا بأصل الأسباب، ثم صبروا، ثم اعتمدوا على خالقهم جل وعلا، فوُجِدَت الأسباب المعنوية والأسباب الحسية، والمراد هنا الحصول للأسباب المعنوية يعني تعلّق القلب بالباري جل وعلا، وأما الأسباب الحسية فالمراد بها أصلها يعني لا يشترط الكمال، ولذلك عددٌ قليل يغلب عددًا كثيرًا، لو أردنا التمام في السبب لقلنا ماذا؟ أنه لا يجوز القليل أن يحارب الكثير، ولو قلنا بأنه لا بد من العدة أن تكون متساوية لما جاز أن يقاتل من كان عنده شيءٌ يسير سلاحٌ خفيف مع السلاح الثقيل، نقول: هذا لا يجوز، نقول: لا، لا يُشترط ذلك، وإنما المراد به أصل السبب الحسيّ، وأما المعنوي فلا بد منه، والذي ينصر هو الباري جل وعلا. ( {فِئَةٍ} ) أي جماعةٍ وهي جمعٌ لا واحد له من لفظه، الفئة الجماعة والقطعة منهم هكذا في لسان العرب، ( {بِإِذْنِ اللَّهِ} ) أي بقضائه وإرادته ومشيئته.

أفادت هذه الآية كالآية السابقة الحثّ على الصبر، وأنه أعظم سببٍ في تحصيل المقصود، الصبر.

وفيه أيضًا المعية الخاصة للصابرين، وأن الله تعالى ضَمِنَ لهم النصر - إذا صبروا -، وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «واعلم أن النصر مع الصبر» . ما قال مع العدد الكثير، ما قال مع تمام العدة، لا، إنما قال: «مع الصبر» . فهو عامل معنوي سببٌ معنوي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت