إنما نقول: لا بد من شيء يفسره مجمل يحتاج إلى تفسير يحتاج إلى بيان، نقول: حينئذٍ إذا جاء نص يحتاج إلى بيان فيه إشكال فتَرُدُّه تفسره بالأصل لا تجعله معترضًا على الأصل، حينئذٍ إذا كان الأصل المتفق عليه المجمع عليه عند أهل السنة والجماعة أن أعمال الجوارح داخلة في مسمى الإيمان، ركن لا إشكال فيه، حينئذٍ جاء «لم يجعل خيرًا قط» ، قال: هذا دل على أنه ماذا؟ على أن العمل ليس بشرط صحة ولا ركن. نقول: لا، الأصل مجمع عليه، وعليه عشرات بل مئات الأدلة التي تدل على تأصيله، وهذا النص حينئذٍ نؤوله، لا نحرفه التأويل منه صحيح إذا كان بدليل، ومنه ما ليس بصحيح وهو الذي يُسَمَّى بالتحريف، حينئذٍ نقول: هذا النص يُفَسَّر بالأصلِ، لا يمكن أن نجعل «لم يجعل خيرًا قط» . المراد به أنه لم يصلِّ، ولم يزكِّ، ولم، وَلم .. إلى آخره، ولو أخذناه على ظاهره «لم يجعل خيرًا قط» ولم يقل: لا إله إلا الله. فدخل اليهود والنصارى لو قلنا على ظاهره، لكن نقول: ما دام أنه خُصَّ بمن لم يؤمن ولم يسلم، حينئذٍ يخص بالأدلة الأخرى. حينئذٍ القاعدة أن ما جاء مخالفًا للأصل فنقول: الأصل محفوظ لا يُعْتَرَض عليه، ولذلك لا بد أن تُمَيِّز هذا أصل، وهذا فرع، والفرع والصُّوَر لا يُعْتَرَضُ بها على الأصول، بل تؤول وتحفظ دلالتها على المعاني التي تدل عليها، لأن القرآن ثَبَتَ أن منه المتشابه ومنه المحكم، وكذلك السنة، والمتشابه كما أنه يكون في الأصول كذلك يكون في الفروع.
هنا هذا النص مثله قال: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} . إذًا لا يمكن أن نحمله على التعدد تعدد الآلهة، لأن الأصل محفوظ حينئذٍ نؤول هذا المعنى، أي هو إله ومعبود وأهل السماوات والأرض كما تقول: فلان أمير في خراسان وفي العراق. تعددت الذات؟ لا يلزم تعدد الذات، إذًا أمير بمعنى أن أمره نافذ في العراق، وأمره نافذ في خراسان، كما أنه أمير يعتبره أهل خراسان أنه أميرًا له، كذلك أهل العراق، فلا يدل على أن فيهما جميعًا، وكذلك قوله: {وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ} [الأنعام: 3] . كذلك فسره أئمة العلم كالإمام أحمد وغيره أنه المعبود في السماوات والأرض.
هذه الآيات التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى لا تخالف الآيات التي فيها إثبات علوه سبحانه واستوائه على عرشه، بل تجامعها، فإن قربه ومعيته كما يليق بجلاله وعظمته {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} .
والحاصل: حاصل هذه المسألة: أن معية الله عز وجل تنقسم إلى قسمين:
عامة، وخاصة.
والخاصة قسمان - بالاستقراء والتتبع - يعني الدليل على التقسيم الاستقراء والتتبع، الخاصة تنقسم إلى قسمين:
مقيدة بشخص، ومقيدة بوصف.
أما العامة وهذه تشمل كل أحد، كل مخلوق مؤمنًا كان أو كافرًا، برًّا كان أو فاجرًا، لا يختص بها أحد دون أحد، والدليل هو الآيتان الأوليان التي ذكرهما شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ( {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} ) ، وجه الاستدلال، ما وجه الاستدلال هنا في العموم؟
-عدم التقييد، لَمَّا وجدناه قَيَّد بشخص أو وصف وأطلق هنا علمنا أن المراد به ما يشمل المؤمن والكافر.