الصفحة 597 من 883

فالمعية العامة تستلزم الإحاطة بالخلق علمًا وقدرةً وسمعًا وبصرًا وسلطانًا، وغير ذلك من معاني ربوبيته، ولذلك قلنا فيما سبق أن ابن كثير رحمه الله تعالى لَمَّا أورد كلام الإمام أحمد وغيره أن قوله: ( {وَهُوَ مَعَكُمْ} ) بعلمه قال: لم يرد به تخصيص هذا الوصف، وإنما أراد به ماذا؟ ما يدل على الأوصاف الدالة على الإحاطة، ولا تختص بمسلمٍ دون غيره. والمعية الخاصة بنوعيها تستلزم مع ذلك النصر والتأييد.

المعية هل هي من الصفات الذاتية أو من الصفات الفعلية؟

فيه تفصيل:

المعية العامة ذاتية.

والمعية الخاصة بنوعيها فعلية، أليس كذلك؟ لأنها معلقةٌ بأشخاص، والأشخاص لم يكونوا ثم كانوا، وعرفنا أن الصفة صفة الباري جل وعلا إذا تعلقت [بما لم يكن ثم كان] [1] بمن كان بعد أن لم يكن فحينئذٍ نقول: هذه متعلقة بسبب. وكل صفةٍ تعلقت بسببٍ فهيا فعلية، واضح هذا؟. حينئذٍ نقول: المعية العامة التي تُفسر بالعلم والسمع والبصر عرفنا أن السمع والبصر صفتان ذاتيتان وكذلك العلم، إذًا ما فُسِّر بالمعية الخاصة نجعله صفةً فعلية، لأنها إما متعلقة بالمتقين وهم أشخاص لا أوصاف لم يكونوا ثم كانوا، كذلك الصابرين لم يكونوا ثم كانوا، كذلك موسى وهارون عليهما السلام لم يكونوا ثم كانوا .. وهكذا الشأن، حينئذٍ نقول: المعية العامة ذاتية لأن الله تعالى لم يزل ولا يزال محيطًا بالخلق عِلْمًا وقدرةً وسُلْطانًا، وغير ذلك من معاني ربوبيته، ومردها إلى أفعال الربوبية إلى صفات الربوبية، وأما المعية الخاصة فهي صفةٌ فعلية لأنها تابعةٌ لمشيئة الله تعالى وكلِّ صفةٍ مقرونةٍ بسببٍ هي من الصفات الفعلية، وكذلك إذا تعلقت بالمشيئة، فحينئذٍ نقول: هذه صفةٌ فعلية، والله أعلم.

ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: (وَقَوْلُهُ: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} [النساء: 87] ) . بعدما انتهى رحمه الله تعالى من الآيات الدالة على إثبات صفة المعية شرع في ذكر الآيات الدالة على كلام الله تعالى، صفة الكلام، وأن القرآن من كلامه تعالى، وذكر فيما دل على إثبات صفة الكلام لله تعالى إحدى عشرة آية، ذكرها إحدى عشرة آية، وسيذكر سبعًا أو يزيد فيما يتعلق بأن القرآن من كلام الله تعالى، هما مسألةٌ واحدة في الأصل، لأن القرآن من كلام الله تعالى ليس كل كلام الله تعالى قرآنًا صحيح؟

اجزم صحيح؟ نعم. القرآن من بعض كلام الله تعالى، وليس كل كلام الله تعالى هو القرآن لأنه ينزل في الليل أو في ثلث الليل الأخير، يقول: «هل من تائبٍ» ، «هل من مستعفرٍ» ، «هل من داعٍ» . هذا كلام الله؟ كلام الله، هو قرآن؟ ليس بقرآن، كلماته الكونية ليست بقرآن.

إذًا كلام الله تعالى أعم من القرآن، حينئذٍ نحتاج إلى دليلين لَمّا وجد المخالف في القرآن نحتاج إلى دليلين:

-دليل يثبت صفة الكلام.

-ودليل يثبت أن القرآن من كلام الله تعالى.

(1) أعادها الشيخ لأنه قال: (ما) وهو لغير العاقل، فأعادها للعاقل (من) ، فما شاء الله على الشيخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت