خَصَّصَ الله تعالى نبيه موسى عليه السلام بهذه الصفة تشريفًا له، وكلم الباري جل وعلا غير موسى لكن الذي ذكره بالمخاطبة الواردة في القرآن من باب التشريف له عليه الصلاة والسلام، ولهذا يقال لموسى عليه السلام: الكليم، كليم الرحمن، وهذا دليل على أن التكليم الذي حصل لموسى عليه السلام أخص من مطلق الوحي، وحيٌّ ومطلقه، مطلق الوحي وماذا؟ وما هو أخص منه، تكليم الباري جل وعلا لنبيّ من أنبيائه مباشرةً نقول: هذا أخص من مطلق الوحي، لماذا؟ لأن الوحي قد يكون بكلام مباشر، وقد يكون بإرسال رسول كجبريل، وقد يكون بإنزال كتاب أو صحف، أليس كذلك؟ كل هذه الأنواع الثلاثة وحيٌّ، إذًا الوحي ليس مرادفًا للكلام، بل هو نوعٌ منه، إذًا التكليم وحيٌّ وهو أخص من مطلق الوحي، لأن الوحي كما يكون بالتكليم يكون بماذا؟ يكون بإرسال الرسول كجبريل وهو وحي، كذلك بإنزال الكتب والصحف وهو وحي، إذًا ليس كل وحيٌّ يكون ماذا؟ يكون كلامًا أو تكليمًا من الباري جل وعلا، ولذلك قال: أخص من مطلق الوحي. ثم أكده بالمصدر الحقيقي رفعًا لِمَا قد يُتَوَهَّمُ من أنه شيءٌ غير التكليم شيءٌ آخر، فأكده بالمصدر المفيد تحقق النسبة ورفع توهم المجاز، فإن قيل: هذا مجاز. نقول: هذا ليس بوارد. لأن الأصل حمل اللفظ على حقيقته وإجماع السلف على إثبات صفة الكلام، وكذلك من باب التَّنَزُّل معهم في الدليل نقول: الله عز وجل أكد الفعل هنا بالمصدر، وليس ثَمَّ فائدة تُدْرَكَ من هذا التأكيد إلا ماذا؟ إلا تأكيد توهم النسبة بأن المراد بها ماذا؟ المجاز، حينئذٍ رفعه بالمصدر، قال الفراء - وهو من أئمة اللغة: إن الكلام إذا أُكِّدَ بالمصدر ارتفع المجاز وثبتت الحقيقة.