الصفحة 607 من 883

ارتفع المجاز هذا من باب التساهل في العبارة وإلا المجاز لم يثبت أصلًا لأن الأصل ماذا؟ ما هو ... الأصل؟ حمل اللفظ على حقيقته، فالثابت هو ماذا؟ فالثابت هو الحقيقة، حينئذٍ توهم المجاز هذا أمر فرعي، فنحتاج إلى أن ثَمَّ علاقة بين المعنيين المعنى الحقيقي والمعنى الذي هو مجازي لا بد من العلاقة بينهما، ثم لا بد من القرينة هنا نقول: الأصل حمل اللفظ على حقيقته لانتفاء القرينة وانتفاء العلاقة ... {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: 11] لا يَرِدُ أنه يُراد به غير ظاهره وهو صفات المخلوقين حينئذٍ نقول: ثالثًا إجماع السلف على أن المراد به الحقائق، فجميع الصفات الواردة في الكتاب والسنة المراد بها الحقائق، وأما دعوى أن ظواهر النصوص تدل على التشبيه أو التمثيل فهذا لفسادٍ في عقول من نظر، وإلا لا تدل، هي لا تدل، بالإضافة لا تدل لما أضيف الأوصاف إلى الباري جل وعلا علمنا يقينًا بدلالة النص القطعي ودلالة العقل الصريح الواضح القطعي بأنه لا تماثل بين الحقائق في الذات، فالباري جل وعلا له ذاته المختصة به، والمخلوق له ذاته المختصة به، وعقلًا أن ما أضيف إلى كلٍّ من هاتين الذاتين يختص بهما، فإذا كان كذلك فافترقا، وهذا ما قرره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في (( التدمرية ) )بأن التشابه والتماثل إنما يكون في ماذا؟ في القدر المشترك الذي يُسمى جنسًا عند المنطقة أو المعنى الكليّ، والمعنى الكلي لا وجود له في الخارج إنما هو وجودٌ في الذهن فسمعٌ هكذا، هذا لا وجود له في الخارج، وإنما يقال سمع الله، سمع زيدٍ، فلما أضيف اختصا فالسمع حينئذٍ القدر المشترك الذي يكون في الذهن هو إدراك المسموعات، هذا الذي يدركه الناظر، فيسمع كلمة سمعٌ في المعنى اللغوي إدراك المسموعات يُدرك العقل ذلك، ثم هذا السمع إذا أضيف إلى الباري جل وعلا انفك من حيث الكيفية لأنه هو صفةٌ لها معنى، أثبتنا المعنى عرفنا معناه لكن الكيفة ما هي؟ الله أعلم بها، لماذا؟ لأنها لما أضيفت إلى ذاتٍ مجهولة الكيفية لا نقول: لا كيفية لها، نقول: مجهولة الكيفية بالنسبة إلينا حينئذٍ نقول: كذلك السمع مجهول الكيفية بالنسبة إلينا، فإذا كان كذلك حينئذٍ بطل الأصل الذي اعتمد عليه أهل التحريف من كون ظواهر النصوص إنما تفيد التشبيه كما قالوا أو زعموا، أو تفيد التمثيل. وعليه يأتي في المقابل أن بعضهم إذا أراد أن يُبطل حجتهم أبطل المجاز، لا، المجاز جاء ثانيًا لا أولًا، المجاز هنا جاء ثانيًا لا أولًا، أولًا اعتقد ماذا؟ أن ظواهر النصوص تفيد المماثلة والتشبيه هذا أولًا، ثم أراد أن يخرج تخريجًا لغويًا فادَّعَى ماذا؟ فادَّعَى المجاز. إذًا المجاز ثانيًا لا أولًا، فإذا جئت ترد عليه لا تشتغل بالفرع وتترك الأصل، وإنما تأتي إلى الأصل وتقول: الظاهر من النصوص حقائقها ولا تفيد التمثيل أصلًا، لماذا؟ لأن هذه صفاتٍ أُضِيفَتْ إلى ذاتٍ غير معقولة الكيفية فكذلك ما أضيف إليها، إِذ الكلام في الصفات فرع الكلام في الذات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت