إذًا ( {وَكَلَّمَ} ) قال الفراء هنا: ارتفع المجاز وثبتت الحقيقة. على إمامته في اللغة رحمه الله تعالى نقول: هذا التركيب فيه نوعٌ من التساهل، لماذا؟ لأن قوله: ارتفع المجاز. كأنه ثبت ( {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى} ) ثبت المجاز، لا، لم يثبت المجاز.
متى يثبت المجاز؟
لا بد من تحقق الشروط التي ذكرها أهل البيان، وهي وجود العلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المنقول إليه، وكذلك القرينة. إذًا هو خلاف الأصل.
وقررنا فيما سبق أن الأشاعرة أنفسهم قرروا ذلك في كتب الأصول وكتب البيان.
وحيث ما استحال الأصل يُنْتَقَل ** إلى المجاز ...
إذًا متى ننتقل إلى المجاز عند عدم إمكان حمل اللفظ على حقيقته. إذًا لا نقول: [ثبت المجاز وارتفع] لا نقول: ارتفع المجاز وثبتت الحقيقة. بل نقول: أكد أن المراد الأصل على حقيقته، وهو الحقيقة.
ويُرْوَى أن رجلًا قال لأبي عمرو بن العلاء القارئ المشهور أريد أن تقرأ رجل جهمي {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى} ، {وَكَلَّمَ اللَّهُ} بالرفع هو الذي أحدث الكلام {مُوسَى} مفعولٌ به، قال أريد أن تقرأ (وَكلَّمَ اللَّهَ موسى تَكْلِيمًا) يعني: جعل موسى هو الْمُكلِّم والله مُكَلَّمْ يعني يسمع فقط لا يتكلم ظنًّا هذا فيه تنزيه للباري جل وعلا، وهو تنقص الباري جل وعلا، إذًا لو رفع ونصب وغير حينئذٍ تغير المعنى لكن هذا تحريف لو صنعه لكفر، وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى تَكْلِيمًا، بنصب لفظ الجلالة فقال له، أبو عمرو: هب أني قرأت ذلك. يعني: كما تريد فكان موسى هو الْمُكَلِّم والله مُكَلَّم هل يلزم من انتفاء النص الخاص انتفاء الصفة؟ أم قد يأتي نصٌ آخر يُثبت، قد يأتي نصٌّ آخر يثبت ذلك، هب أني جعلت المرفوع منصوبًا، والمنصوب مرفوعًا، وجعلت الله تعالى مكلَّم وموسى هو المكلِّم، هب أني قرأت ذلك فما تقول في قوله: ( {وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} [الأعراف: 143] ) . فبهت المعتزلي {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 258] . ( {وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} ) هنا لا تحتمل لماذا؟ ( {رَبُّهُ} ) بالرفع لأنه لا يحتمل أن يقول: وَكَلَّمَهُ رَبَّهُ لأن لو قلت: وَكَلَّمَهُ رَبَّهُ صار الضمير المتصل بكلم فاعلًا، وباتفاق أهل اللغة أن الضمير المتصل الهاء لا يأتي فاعلًا وإنما يأتي ماذا؟ إذا اتصل بالفعل يأتي مفعولًا به قولًا واحدًا. إذًا ( {وَكَلَّمَهُ} ) من المكلَّم هنا الضمير يعود إلى موسى، ما إعرابه يا نحاة! ما إعرابه؟ نقول: في محل نص مفعول به، هل يحتمل آخر؟ هل يحتمل أن يكون مرفوعًا في محل الرفع؟ لا، لا يأتي في لسان العرب. إذًا رَبُّ ليس لها إلا الرفع فهو الفاعل، لو قرأت وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى وكان الله تعالى مَكَلَّم وموسى مُكَلِّم قد يأتي النص لا إشكال فيه، لكن إذا أراد به النفي فحينئذٍ هنا تأتي أو يأتي الإشكال فيُرَدُّ عليه بالآية الأخرى التي فيها ( {وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} ) إذ لا يمكن أن يقلب فالْمُكَلِّم هنا تعين أن يكون هو الباري جل وعلا ( {وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} ) القول فيها كقوله: ( {وَكَلَّمَ اللَّهُ} ) إذ فيها إسنادٌ فعل إلى الفاعل، ورب فاعل، وكَلَّم هذا فعلٍ والذي أحدث هذا الفعل هو الباري جل وعلا.