قال المصنف رحمه الله تعالى: (وقوله: {مِنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ} [البقرة: 253] ) ، ( {مِنْهُم} ) يعني بعضهم بعض الأنبياء ( {مِنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ} ) ، ( {مِنْهُم} ) أي من الرسل ( {مَّن كَلَّمَ اللَّهُ} ) يعني من كَلَمَهُ الله ( {مَّن كَلَّمَ اللَّهُ} ) أين مفعول به؟ محذوف.
وحذف فضلةٍ أجز ** إن لم يضر
حينئذٍ نقول: حذف المفعول به لدلالة المقام عليه.
وحذف ما يعلم جائزٌ
قاعدة تامة ذكرها ابن مالك في (( الابتداء ) )وهي قاعدة عامة في جميع أبواب النحو، كل ما عُلِمَ بعد الحذف وكان السياق يدل عليه من الفضلات الفاعل لا يجوز حذف، ونائبه لا يجوز حذفه، والفعل قد يجوز حذف، حينئذٍ ولذلك قال: {بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} [البقرة: 135] . {بَلْ مِلَّةَ} يعني بل أتبع ملة فحذف الفعل لا إشكال فيه يجوز حذفه في بعض المواضع، لكن بشرط أن تكون قرينة في سياق الكلام يدل على المحذوف. هنا قال: ( {مَّن كَلَّمَ اللَّهُ} ) . أي من كلَّمَهُ الله، حذف الفضلة وهو مفعول به كموسى عليه الصلام مِن مَن كلمه الله وجاء النص الصريح به، كذلك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - كُلِّمَ لَمَّا عُرِجَ به، كذلك آدم قال الله تعالى نهاه: {أَلَمْ أَنْهَكُمَا} [الأعراف: 22] . هذا سمعه آدم مباشرة من الله تعالى بحرفٍ وصوتٍ، فدل على أن الله تعالى كلَّم آدم لذلك مر معنا أنه نبي عليه السلام، وحينئذٍ لا يختص التَّكْلِيم بموسى، الآية هذه تدل على ماذا؟ على أن من الأنبياء من خاطبهم الله تعالى مباشرةً، كلمه مباشرةً، ودل النص الخاص فيما سبق أن موسى كلمه الله تعالى، لكن يجعل لموسى عليه مزية ليست لغيره من حيث ماذا؟ من حيث التنصيص، يعني كون الباري جل وعلا نص على أنه كلم موسى تكليمًا ولم ينص بذلك في القرآن على أنه كلم محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - أو كلم غيره يدل على أن ما ذُكِرَ أهم وأولى بالذكر [مما لم يذكر] مِنْ مَنْ لم يُذْكَرْ هذا وجه الذكر فحسب، كموسى عليه السلام، ومحمدٍ عليه الصلاة والسلام، وكذلك آدم كما ورد به الحديث المروي في (( صحيح ابن حبان ) )عن أبي ذرٍ رضي الله عنه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} [الأعراف: 143] ) . الآية السابقة ( {وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} ) والشاهد كما سبق، لكن قوله: ( {وَلَمَّا جَاءَ} ) ، ( {وَلَمَّا} ) هذه بمعنى حيل ففيها تعليل، فدل ذلك على أن صفة الكلام تتعلق بالمشيئة ... ( {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} ) يعني تكليم الباري جل وعلا مُقَيّد هنا، مقيد بماذا؟ أولًا بوجود موسى عليه السلام لم يكن قبل ميلاد قبل ولادته لم يكن كلمه الباري جل وعلا لأنه خاصٌ بموسى عليه السلام، بخلاف ما يقوله بعض أهل البدع بأنه كلمه في الأزل الكلام النفسي وهذا باطل، حينئذٍ قوله: ( {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا} ) . مقيد بشيئين: