أولًا: بوجود موسى لأنه لم يكن دل على أن كلام هذا حادث أو لا؟ ثم ليس في حياة موسى مطلقًا، بل لما جاء للميقات يعني الوقت الذي أراده الله تعالى أن يكلمه، حينئذٍ لما دلت على أن اللفظ هنا أو الحكم معلقٌ بشيء وهو ما بعده. إذًا فيه تقييدٌ من جهتين:
-من جهة المجيء لا مطلقًا.
-وثانيًا من جهة وجود موسى عليه السلام. قال: ( {وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} ) . أفادت هذه الآية أن الكلام يتعلق بمشيئته جل وعلا، وعرفنا المراد به فيما سبق، وذلك لأن الكلام صار حين المجيء، حين من أين أخذناها؟ لفظ (لَمّا) لأن (لَمّا) بمعنى (حين) تأتي لها معانٍ، لكن هنا جاء الظرفية تفيد معنى حين {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ} [سبأ: 14] يعني حين قضينا عليه الموت، لأن الكلام صار حين المجيء لا سابقًا عليه مع كونه موسى موجودًا. إذا قلنا بقيدين: وجود موسى عليه السلام، يعني وجوده في الحياة بعد أن لم يكن كذلك مجيئه إلى الميقات فثَمَّ تخصيصان، فالكلام حين جاء موسى إلى الميقات، قبل مجيء موسى إلى الميقات لم يكلمه ربه لم يقع الكلام وإنما هو مقيد بالمجيء، فدل هذا على أن كلامه جل وعلا يتعلق بمشيئته سبحانه.
قوله: ( {لِمِيقَاتِنَا} ) . أي للوقت الذي ضربنا أن نكلمه فيه، والله أعلم به ما بَيَّنَهُ ( {وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} ) أي كلمه سبحانه وتعالى بكلامٍ حقيقيٍ يليق بجلاله وعظمته، وكلمه بلا واسطة، فهذا الذي يقتضيه، فاعل ومفعول به {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى} [النساء: 164] ليس بينهما واسطة، إذا قلت في لسان العرب كلمتُ زيدًا هذا يعني مباشرةً.
فهذه الآيات أفادت إثبات صفة الكلام لله تعالى وأنه يتكلم، وأنه تَكَلَّمُ ويَتَكَلَّمُ سبحانه وتعالى، والأدلة دال على أنه يتكلم أكثر من أن تُحْصَر.
وفيها دليلٌ على أن كلامه سبحانه وتعالى حقيقةٌ لا مجازٌ، ونَنُصُّ على ذلك ردًّا على المخالفين وإلا لا نحتاج أن نقول حقيقةٌ لا مجاز، لأن دعوى المجاز هنا ليست بواردة لفقد الشرط تحقق المجاز، وللإجماع إجماع السلف على أن للفظ هنا على حقيقته، لأنه أكده بالمصدر كما سبق في قوله: ... {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} أكده بالمصدر لنفي المجاز لأن العرب لا تؤكد بالمصدر إلا إذا أرادت الحقيقة.
وفيها دليل على أن الله لم يزل متكلمًا إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء على التفصيل السابق.