وفيها دليل على أن نوع الكلام أزلي قديم، وإن لم يكن الصوت المعين قديمًا، يعني الله تعالى متصفٌ بصفة الكمال في الأزل قديمًا، أليس كذلك؟ قبل خلق السماوات والأرض، طيب الكلام الذي وقع لموسى هذا آحاد فردٌ كلام معين وهذا ليس بقديم، بل هو حادث ليس المراد بحادث أنه مخلوق، ومن هنا جاء الاعتراض على الدليل المشهور العالم متغير وكل متغيرٍ حادث فالعالم حادث. نقول: كل متغيرٍ حادث إن أردت به مخلوق وأنه عامٌ في كل مخلوق غلط من أصله. حينئذٍ نقول: حادث قد يراد به المخلوق، وقد يراد به شيءٌ لم يكن ثم كان ولا يلزم منه أن يكون مخلوقًا، ولذلك الباري جل وعلا قد يكون الكلام منه حادثًا نقول: حادث. ولذلك نقول: الشيء الحديث معناه لم يكن ثم كان ولا يلزم منه الخلق، فصفة الكلام من حيث النوع من حيث الجنس نقول: هذه قديمة أزلية، ولكن من حيث الآحاد يعني الأفراد فهذه لا يلزم أن تكون قديمة قد يكون بعضها قديم وقد يكون بعضها حادثٌ، ومنه وجود موسى عليه السلام ثم تكليمه، وإن لم يكن الصوت معين قديمًا، فكلام الله سبحانه وتعالى قديم النوع حادث الآحاد. وتقدمت الإشارة إلى أن كلامه سبحانه وتعالى نوعان:
-كوني قدريٌ به توجد الأشياء كما قال سبحانه {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82] ، {يَقُولَ لَهُ كُنْ} ، ... {كُنْ} هذه كلمة ( {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} ) إذًا هي داخلةٌ إذًا {كُنْ فَيَكُونُ} ، {فَيَكُونُ} هذا المخلوق و {كُنْ} هذه كلمةٌ من الباري جل وعلا.
-الثاني كلام ديني شرعي، ومنه كتبه المنزلة على رسله فهو الذي تكلم به حقًّا وليست مخلوقةً، بل هي من جملة صفاته، وصفاته سبحانه وتعالى ليست مخلوقة غير مخلوقة كمل تقدم في حديث خولة. وبه استدل الإمام أحمد وغيره على أن كلام الله غير مخلوق الاستعاذة بكلمات الله، لأنه أمر بالاستعاذة بكلمات الله، والاستعاذة بالمخلوق شركٌ، فلو كانت الكلمات مخلوقة لكان هذا أمرٌ بالشرك فهو باطل، وهذا واضح بَيِّن. فدل على أن كلام الله غير مخلوق وتكليمه سبحانه وتعالى لعباده نوعان:
الأول: بلا واسطة كما كلم موسى بن عمران، وكما كلم الأبوين، وكذا نادى نبينا ليلة الإسراء هذا تكليمٌ بلا واسطة. يعني سمعه موسى عليه السلام بحرفٍ وصوتٍ من الباري جل وعلا يعني سمع كلام الله تعالى.
الثاني: تكليمه سبحانه لعباده بواسطة، إما بالوحي الخاص للأنبياء كـ جبريل، وإما بإرساله إليهم رسولًا يكلمهم من أمره جل وعلا بما شاء. إذًا قد يكون بواسطة، وقد يكون بلا واسطة.
وفي الآيات المتقدمة أيضًا دليلٌ على أن الكلام المضاف إليه سبحانه وتعالى من صفاته الذاتية، من حيث تعلقها بذاته واتصافه بها، ومن صفاته الفعلية حيث كانت متعلقةً بقدرته ومشيئته، يعني لها اتجاهان، لها إضافتان، إضافة إلى كونها ذاتية لكون الذات لا تنفك عنها فهو قديم النوع، ومن كونها ماذا؟ من كونها توجد بعد أن لم تكن وتعلقت بالمشيئة فهي فعلية.