إذًا لها وصفان من حيث القدم والحدوث، ومن حيث الذات والفعل، أليس كذلك، فالكلام يعتريه هذان الوصفان من حيث القدم والحدوث نقول: قديم النوع حادث الآحاد. والمراد بحادث ليس المراد أنه مخلوق وإنما المراد به لم يكن ثم كان، كما في الاستواء لم يكن ثم كان.
الأمر الثاني كونه ماذا؟ قلنا القدم والحدوث.
الثاني: هل هو صفة فعلية أو صفة ذاتية؟ نقول: هما معًا لكن باعتبارين مختلفين، يعني بالإضافة، فكونه لم تنفك الذاتُ عن الوصف فهي ذاتية، فالله تعالى تكلم ولا يزال متصف بهذا الوصف، وأما باعتبار الآحاد فهي توجد ولم توجد، ولذلك نقول الباري جال وعلا الآن في هذا الوقت مثلًا لم ينزل في هذا المكان الآن نقول: لم ينزل. ننفي نزوله في آخر الليل في الثلث الأخير لم ينزل، ثم ينزل فيقول ماذا؟ يقول كذا وكذا .. إلى آخر الحديث، إذًا لم يكن ثم كان، كلامه الليلة حادث، صحيح؟ بمعنى أنه سيقول كذا وكذا لم يكن الآن فنفي ثم إذا جاء وقت الليل الثلث الأخير نثبت ذلك لأنه يقينًا ولا يحتاج أن نطلع نسمع بأنفسنا لا، إنما المراد دل النص على أنه إذا ثبت دخول ثلث الليل الأخير أو النصف على قولٍ حينئذٍ نقول: نزل الباري جل وعلا نزولًا يليق بجلاله، ثم يقول كذا وكذا فهذا حادث لم يكن ثم كان، وهذا واضحٌ بَيِّن.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وقوله: {وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} [مريم: 52] ) ، ( {نَادَيْنَاهُ} ) أي كلمناه ... ( {مِن جَانِبِ الطُّورِ} ) لأن النداء نوعٌ من الكلام وهو أخص منه، كل نداءٍ كلامٌ ولا عكس، لأن الكلام يتنوع منه نداء، منه تمني، منه ترجي، منه ومنه .. إلى آخر ما يذكره أمرٌ ونهيٌ حينئذٍ نقول: الكلام يتنوع، والله عز وجل يأمر وينهى، والأمر غير النهي، وكذلك الترجي، الترجي غير التمني، حينئذٍ نقول: هذه مختلفة، لكن اختلافه وتنوعها لا يخرجه عن كونها كلامًا. إذًا الكلام جنس الكلام ثابت، والنداء نوعٌ من أنواع الكلام، ولذلك لا مانع أن نفسره بقولنا ( {وَنَادَيْنَاهُ} ) أي كلمناه ( {مِن جَانِبِ الطُّورِ} ) ، ( {وَنَادَيْنَاهُ} ) ضمير الفاعل يعود إلى الله، وضمير المفعول يعود إلى موسى عليه السلام، أين ضمير الفاعل (نا) الدالة على الفاعلين، والضمير المتصل الهاء هذا يعود إلى موسى مفعول به، كما تقول: ضربناه، زيدًا ضربناه، ضربنا هذا (نا) الدالة على الفاعلين، [هو هذا الضمير] ولا يقال هو إنما ضربناه لا ينفصل من باب الإيضاح فقط، حينئذٍ ضربناه الضمير يعود إلى زيد المفعول به ( {نَادَيْنَاهُ} ) ، ( {نَادَيْنَاهُ} ) (نا) الدالة على الفاعلين، فالمنادِي هو الله عز وجل، والمنادَى هو موسى، فرق بين المنادِي وبين المنادَى، ( {وَنَادَيْنَاهُ} ) إذًا ضمير الفاعل (نا) يعود إلى الله جل وعلا فأسند النداء إلى ذاته إلى نفسه، حينئذٍ على الأصل وهو أنه حقيقةٌ، ونثبت الحدث الذي دل عليه الفعل، وضمير المفعول الهاء يعود إلى موسى عليه السلام أي: نادينا موسى وكلمناه بقولنا: يا موسى إني أنا الله كما جاء في بعض المواضع.