الصفحة 616 من 883

-وإما أن يوجد الإخلاص وتنتفي المتابعة. حينئذٍ هذا يختلف قد يكون كافرًا وقد يكون غير ذلك لأنه قد يوجد الإخلاص إن سَلَّمْنَا بوجوده باطنًا أو انتفت الصلاة مثلًا ما وجدت ليس بمسلم، وقد توجد الصلاة وينتفي المتابعة في الصيام والزكاة والحج إذًا فاسقٌ مؤمن بإيمانه فاسقٌ بكبيرته.

-وقد توجد المتابعة في الظاهر ولا يوجد إخلاص كشأن المنافقين.

إذًا الأربعة الأقسام موجودة، والشرطان هما: الإخلاص، والمتابعة. لكل منهما سؤال لِمَ فعلت؟ كيف فعلت؟

ولذلك ينبغي على المسلم وطالب العلم على جهة الخصوص أن يعتني بالأمرين معًا، لا يقول: أنا لا أخشى الرياء. نعم يُخشى لكن أيضًا اسأل نفسك هل هذه العبادة تُصَلِّي كما صلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتصوم كما صام النبي - صلى الله عليه وسلم -، لا بد من إيقاع العبادة على ما جاءت به الشريعة، وأما أن يُخْلِص ثُمَ يَعْبُدُ ربه بما يهواه، حينئذٍ نقول: هذا قد يُفْقد الشرط شرط المتابعة بالكليّة أو جزئية، ثم هو يعود إلى الإخلاص بالطعن إذ لو كان الإخلاص موجودًا في القلب على وجه التمام لأذَّ الإنسان أذًّا أن يكون فعله متابعةً تامةً للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فكل تقصير في الظاهر علامة على تقصير الباطن، وهذا يُنْتَبَه له، لأن البعض قد يعتني بالإخلاص ثم تجد صلاته ليس كما صلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، حينئذٍ نقول: هذا فَرَّطَ في المتابعة، تَفْرِيطُهُ في المتابعة دليل على ضعف الإخلاص، إذ لو وُجِدَ الإخلاص على وجه التمام لَمَا كان فعله وقوله إلا على إصابة السنة.

قال بعض السلف: ما من فعلة وإن صغرت إلا ويُنشر لها ديونان، لِمَ وكَيْف،. يعني لِمَ فعلت؟ وكيف فعلت؟

فالأول سؤال عن الإخلاص.

والثاني سؤال عن المتابعة.

فإن الله لا يقبل عملًا إلا بهما، فطريق التَّخَلُّصِ من السؤال الأول (لِمَ؟) بتجريد الإخلاص لله عز وجل.

وطريق التَّخَلُّصِ من الثاني السؤال الثاني بتحقيق المتابعة للنبي - صلى الله عليه وسلم -.

وقال بعض السلف: كلمتان يُسأل عنهم الأولون والآخرون، ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ فيُسأل عن المعبود وعن العبادة.

أفادت هذه الآيات إثبات صفة الكلام لله، وأنه نادى وناجى ( {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} ) ، وقد جاء النداء في تسع آيات من القرآن، آية واحدة تكفي، المؤمن الْمُسَلِّمُ للباري جل وعلا آية واحدة تكفي في إثبات صفة من صفاته جل وعلا، فكيف إذا جاء تسع آيات؟ هذا من باب التأكيد، وجاء النداء في تسع آيات من القرآن، وكذلك النجاء جاء في عدة آيات، والنداء هو الصوت الرفيع، وضده النجاء يعني الصوت الذي فيه خفض، ففيها إثبات أن الله يتكلم بحرف وصوت يليق بجلاله، إذ لا يعقل النداء والنجاء إلا ما كان حرفًا وصوتًا، وقد استفاضت الآثار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة السنة بذلك.

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في (( النونية ) ):

والله قد نادى الكليم وقبله ... سمع الندا في الجنة الأبوانِ

وأتى الندا في تسع آيات له ... وصفًا فراجعها من القرآنِ

[ثم قال:] [1]

(1) هنا انتقل الشيخ إلى موضع الاحتجاج الثاني بدون أن يفصل بينهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت