الصفحة 619 من 883

إلى آخره ليس المراد أن هؤلاء أقوالهم حجة بذاتها، أو أنه مما يعتمد عليهم في الاحتجاج، لا، اتفق الأصوليون على أن من عدا الصحابة أقوالهم ليست بحجة، يعني لا تثبت بها لا عقائد ولا أحكام، وإنما الخلاف في قول الصحابي هل هو حجة أم لا؟ وإذا كان كذلك عندما يقال عقيدة الإمام أحمد ونحن نتبع عقيدة الإمام أحمد ليس المراد أنه حجة في ذلك، وإنما المراد أن هذه العقيدة تواطأ عليها أئمة السلف منذ عصر الصحابة إلى يومنا فتُنسب إلى الأوزاعي، وتنسب إلى الثوري، وتنسب إلى مالك، وإلى الشافعي، حينئذٍ تواطأ هؤلاء الأئمة على عقيدة واحدة، فيطمأن القلب إلى أن هذا الفهم الذي فهمناه من الكتاب والسنة أنه فهم صحيح، ونستدل بذلك استئناسًا فحسب، وإلا ليس أحدٌ البتة يُثبت بقوله حكم شرعي يجب أن نعتقد هذا ونطبقه ننزل الميدان عمليًّا، وأما مجرد دعوى هكذا وإذا نزلنا للميدان رأينا ما يخالف أصول معتقد أهل السنة والجماعة نقول: هذا فيه فساد في اعتقاد مثل هذه المسائل، لا عصمة لأحد من البشر إلا محمد - صلى الله عليه وسلم -، فهو قوله الذي يؤخذ دون نظر البتة، ونعتقد فيه صحة القول ونعتقد فيه عدم الاعتراض عليه البتة، وأما من عداه حتى بعض الصحابة إذا لم يكن ثَمَّ إجماع مما لم ينطبق عليه حقيقة الإجماع حينئذٍ ننظر في القول ونعرضه على الكتاب والسنة، لأن الصحابة قد يجتهد، ولذلك اختلفوا فيما بينهم، يعني في بعض المسائل الفقهية هذا يُثبت وهذا ينفي ولذلك ماذا قال ابن عباس في مسألة الحج ووجوب قلب المتمتع أن يقلبها مفردًا قال: أخشى أن تنزل عليكم حجارةٌ من السماء - عقوبة ما أشدها من عقوبة - أقول لكم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقولون قال أبو بكر وعمر؟ هذا يدل على ماذا؟ مع كون ابن عباس يُجُلّ ويُعظم أبا بكر ولا نشك في ذلك، ويُجِلّ ويعظم عمر رضي الله تعالى عنه ولا نشك في ذلك، أفي ذلك شك؟ لا، قطعًا، ومع ذلك عارضهما في هذه المسألة ولم يجعل المعارضة نقصًا في قوليهما أو في ذاتيهما أو في علمهما أو في تقواهما وصلاحهما، وإنما جعل مناط الحكم هو التمسك بالكتاب والسنة ولو خالف أبا بكر وعمر، فكيف بقولٍ قد يخالف الإمام أبي حنيفة، أو يخالف ابن تيمية، أو يخالف بعض المعاصرين نقول: من باب أولى وأحرى ألا نقف مع العلماء - وهذا لا يقتضي أن يكون ثَمَّ نقص، وإنما نرد القول بأدب ليس المراد به أن نقول: هذا القول قاله من رأسه. كما يقول بعض السفهاء نقول: لا، رُدَّ القول بأدب وعلم كما أنك لا تقبل قول العالم ترده بأدب وعلم، فتقول: قول السلف في كذا والقول الذي قال به فلان فيه نظر لأنه مخالف لكذا وكذا. لا إشكال فيه، لا نوافق ما يقوله العالم إذا اخطأ في باب المعتقد وفي غيره من أجل كونه عالِمًا ولا يرد عليه، نقول: لا، كيف لا يرد عليه؟ هل نُرَوِّج للباطل لكوننا نخشى أن نرد على فلان، لا، هذا لا يجوز لأن الرد على المخالف هذا من أصول الدين من فروض الكفايات مما يجب أن يعتقده كل مسلم أَنَّ من أخطأ يجب رد خطئه كائنًا من كان ولو كان صحابيًّا، أليس كذلك؟ وذكرنا ما يتعلق بقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت